بسم الله الرحمن الرحيم

کتاب معرفة الامام / المجلد الثانی عشر / القسم التاسع: علم علی علیه السلام، رؤیة الله بالقلب

موقع علوم و معارف الإسلام الحاوي علي مجموعة تاليفات سماحة العلامة آية الله الحاج السيد محمد حسين الحسيني الطهراني قدس‌سره

 

الصفحة الاولي للموقع فهرس الكتب الفهرس الموضوعي الفحص

الصفحة السابقة

تفسير أمير المومنين‌ عليه‌ السلام‌ صوت‌ الناقوس‌

 فسّر أمير المؤمنين‌ عليه‌ السلام‌ صوت‌ الناقوس‌.

 روي‌ صاحب‌ كتاب‌ « مصباح‌ الواعظ‌ » وجمهور أصحابنا عن‌ الحارث‌ الاعور، وزيد بن‌ صُوحان‌، وصَعْصَعَة‌ بن‌ صُوحان‌، والبراءبن‌ سيرة‌، والاصبـغ‌بن‌ نبـاتة‌، وجـابـر بن‌ شَـرَحْبيـل‌، ومحمـود بن‌ الكـوّاء أنّ أميرالمؤمنين‌ عليه‌ السلام‌ قال‌: يَقُولُ الناقوس‌: سُبْحَانَ اللَهِ حَقَّاً حَقَّاً، إنَ المَوْلَي‌ صَمَدٌ يَبْقَي‌، يَحْلُمُ عَنَّا رِفْقَاً رِفْقَاً، لَوْلاَ حِلْمُهُ كُنَّا نَشْقَي‌.

 حَقَّاً حَقَّاً صِدْقَاً صِدْقَاً، إنَّ المَوْلَي‌ يُسَائِلُنَا، وَيُوَافِقُنَا وَيُحَاسِبُنَا، يَا مَوْلاَنَا لاَ تُهْلِكُنَا، وَتَدَارَكْنَا وَاسْتَخْدِمْنَا، وَاسْتَخْلَصَنَا حِلْمُكَ عَنَّا، قَدْ جَرَّانَا عَفْوُكَ عَنَّا، إنَّ الدُّنْيَـا قَدْ غَرَّتْنَـا وَاشْـتَغَلَتْنَا، وَاسْـتَلَهتْنَا وَاسْـتَغْوَتْنَا، يَا بْنَ الدُّنْيَا جَمْعَاً جَمْعَاً، يَابْنَ الدُّنْيَا مَهْلاً مَهْلاً.

 يَا بْنَ الدُّنْيَا دَقَّاً دَقَّاً، تُفْنِي‌ الدُّنْيَا قَرْناً قَرْناً، مَا مِنْ يَوْمٍ يَمْضِي‌ عَنَّا، إلاَّ يَهْوِي‌ مِنَّا رَكْنَاً، قَدْ ضَيَّعْنَا دَارَاً تَبْقَي‌، وَاسْتَوْطَنَّا دَارَاً تَفْنَي‌، تُفْنِي‌ الدُّنْيَا قَرْنَاً قَرْنَاً، كُلاَّ مَوْتَاً كُلاَّ مَوْتَاً، كُلاَّ مَوْتَاً كُلاَّ دَفْنَاً، كُلاَّ فِيهَا مَوْتَاً كُلاَّ فَنَاءً كُلاَّ فِيهَا مَوْتَاً، نَقْلاً نَقْلاً دَفْنَاً دَفْنَاً، يَابْنَ الدُّنْيَا مَهْلاً مَهْلاً، زِنْ مَا يَأْتِي‌ وَزْنَاً وَزْنَاً، لَوْلاَ جَهْلِي‌ مَا إنْ كَانَتْ عِنْدِي‌ الدُّنْيَا إلاَّ سِـجْنَاً، خَيْرَاً خَيْرَاً شَـرَّاً شَرَّاً، شَـيئاً شَـيئاً حُزْنَاً حُزْنَاً، مَاذَا مَنْ ذَاكَمْ ذَا أَمْ ذَا، هَذَا أَسْـنَا، تَرْجُو تَنْجُو، تَخْشَي‌ تَرْدَي‌، عَجِّلْ قَبْلَ المَوْتِ الوَزْنَا، مَا مِنْ يَوْمٍ يَمْضِي‌ عَنَّا، إلاَّ أَوْهَنَ مِنَّا رُكْنَاً، إنَّ المَوْلَي‌ قَدْ أَنْذَرَنَا إنَّا نُحْشَرُ غُرْلاً بُهْمَاً.

 قال‌ الراوندي‌ّ: ثمّ انقطع‌ صوت‌ الناقوس‌،[1] فسمع‌ الديراني‌ّ ذلك‌ وأسلم‌ وقال‌: إنّي‌ وجدتُ في‌ الكتاب‌ أنّ في‌ آخر الانبياء من‌ يفسّر ما يقول‌ الناقوس‌. [2]

 أجمعوا: أنّ خِيَرَة‌ الله‌ من‌ خلقه‌ هم‌ المتّقون‌ لقوله‌: إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَهِ أَتقَـ'كُمْ [3]ثمّ أجمعوا علی أنّ خيرة‌ المتّقين‌ الخاشعون‌، لقوله‌ تعالي‌: وَأُزْلِفَتِ الْجَنَّةُ لِّلْمُتَّقِينَ غَيْرَ بَعِيدٍ، إلی قوله‌: مُّنِيبٍ. [4]

 ثمّ أجمعوا علی أنّ أعظم‌ الناس‌ خشية‌ العلماء لقوله‌: إِنَّمَا يَخْشَي‌ اللَهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَآءُ. [5]

 وأجمعوا علی أنّ أعلم‌ الناس‌ أهداهم‌ إلی الحقّ وأحقّهم‌ أن‌ يكون‌ متّبعاً ولايكون‌ تابعاً لقوله‌: أَفَمَنْ يَهدِي‌ إلی الْحَقِّ أَحَقُّ أَن‌ يُتَّبَعَ أَمَّن‌ لاَّ يَهِدِّي‌ إِلاَّ أَن‌ يُهْدَي‌. [6]

 وأجمعوا علی أنّ أعلم‌ الناس‌ بالعدل‌ أدلّهم‌ عليه‌ وأحقّهم‌ أن‌ يكون‌ مُتَّبَعاً ولايكون‌ تابعاً لقوله‌: يَحْكُمُ بِهِ ذَوَا عَدْلٍ مِنكُمْ. [7]

 فدلّ كتاب‌ الله‌ وسنّة‌ نبيّه‌ وإجماع‌ الاُ مّة‌ علی أنّ أفضل‌ هذه‌ الاُ مّة‌ بعد نبيّها علی عليه‌ السلام‌. [8]

 الرجوع الي الفهرس

جواب أمیر المؤمنین علی عليه‌ السلام‌ عن‌ أسئلة‌ ملك‌ الروم‌

 وفتح‌ سبط‌ بن‌ الجوزيّ فصلاً في‌ كتابه‌ « تذكرة‌ خواصّ الاُ مّة‌ » في‌ كلام‌ عمربن‌ الخطّاب‌: أَعُوذُ بِاللَهِ مِنْ مُعْضَلَةٍ لَيْسَ لَهَ أَبُوحَسَنٍ. وفي‌ الروايات‌ المنقولة‌ عنه‌ بهذا المضمون‌. ثمّ روي‌ عن‌ أحمد بن‌ حنبل‌ في‌ « الفضائل‌ » بسنده‌ عن‌ ابن‌ المسيِّب‌ قال‌: كان‌ عمر بن‌ الخطّاب‌ يقول‌: أعوذ بالله‌ من‌ مُعضَلةٍ ليس‌ لها أبو حسن‌.

 قال‌ ابن‌ المسيّب‌: ولهذا القول‌ سبب‌، وهو أنّ ملك‌ الروم‌ كتب‌ إلی عمر يسأله‌ عن‌ مسائل‌ فعرضها علی الصحابة‌، فلم‌ يجد عندهم‌ جواباً. فعرضها علی أميرالمؤمنين‌ عليه‌ السلام‌، فأجاب‌ عنه‌ في‌ أسرع‌ وقت‌ بأحسن‌ جواب‌.

 أمّا المسائل‌: فقد ذكر ابن‌ المسيّب‌ كتاب‌ ملك‌ الروم‌، وعرض‌ المسائل‌ كلّها إلی أن‌ بلغ‌ قوله‌: وعن‌ صوت‌ الناقوس‌ ماذا يقول‌؟

 ثمّ بيّن‌ ابن‌ المسيّب‌ جواب‌ أمير المؤمنين‌ عليه‌ السلام‌ المفصّل‌، إذ أجاب‌ عنها جميعها حتّي‌ بلغ‌ صوت‌ الناقوس‌، فقال‌: يقول‌: طَقَّاً طَقَّاً، حَقَّاً حَقَّاً، مَهْلاً مَهْلاً، عَدْلاً عَدْلاً، صِدْقَاً صِدْقَاً، إنَّ الدُّنْيَا قَدْ غَرَّتْنَا وَاسْتَهْوَتْنَا. تَمْضِي‌ الدُّنْيَا قَرْنَاً قَرْنَاً، مَا مِنْ يَوْمٍ يَمْضِي‌ عَنَّا، إلاَّ أَوْهَي‌ مِنَّا رُكْنَاً، إنَّ المَوْلَي‌ قَدْ أَخْبَرْنَا، إنَّا نَرْحَلُ فَاسْتَوْطَنَّا... إلی آخر المسائل‌.

 قال‌ ابن‌ المسيّب‌: فلمّا قرأ قيصر الكتاب‌ قال‌: ما خرج‌ هذا الكلام‌ إلاّ من‌ بيت‌ النبوّة‌. ثمّ سأل‌ عن‌ المجيب‌، فقيل‌ له‌: هذا جواب‌ ابن‌ عمّ محمّد صلّي‌الله‌ عليه‌ وآله‌، فكتب‌ إليه‌:

 سَلاَمٌ عَلَيْكَ. أَمَّا بَعْدُ: فقد وقفتُ علی جوابك‌، وعلمتُ أنت‌ من‌ أهل‌ بيت‌ النبوّة‌، ومعدن‌ الرسالة‌. وأنت‌ موصوف‌ بالشجاعة‌ والعلم‌. وأُوثر أن‌ تكشف‌ لي‌ عن‌ مذهبكم‌، والروح‌ التي‌ ذكرها الله‌ في‌ كتابكم‌، في‌ قوله‌: وَيَسْئَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ قِلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي‌. [9]

 فكتب‌ إليه‌ أميرالمؤمنين‌ عليه‌ السلام‌: أَمَّا بَعْدُ: فَالرُّوحُ نُكْتَةٌ لَطِيفَةٌ، وَلُمْعَةٌ شَرِيفَةٌ مِنْ صَنْعَةِ بَارِيهَا، وَقُدْرَةِ مُنْشِـئِهَا، أَخْرَجَهَا مِنْ خَزَائِنِ مُلْكِهِ وَأَسْـكَنَها فِي‌ مُلْكِهِ، فَهِي‌َ عِنْدَهُ لَكَ سَبَبٌ، وَلَهُ عِنْدَكَ وَدِيعَةٌ فَإذَا أَخَذْتَ مَالَكَ عِنْدَهُ، أَخَذَ مَالَهُ عِنْدَكَ. وَالسَّلاَمُ.

 الرجوع الي الفهرس

أبيات‌ الميرزا حبيب‌ الله‌ الخراساني‌ّ في‌ مدح‌ الإمام‌ عليه‌ السلام‌

 وها نحن‌ نختم‌ بحثنا عند هذه‌ النقطة‌، حريٌّ بنا أن‌ نذكر أبياتاً شعريّة‌ للمرحوم‌ آية‌الله‌ الحاجّ الميرزا حبيب‌ الله‌ الخراساني‌ّ متبرّكين‌ بالمقام‌ الاقدس‌ لمولي‌ الموحّدين‌ أميرالمؤمنين‌ عليه‌ السلام‌:[10]

امروز كه‌ روز دار و گير است‌             مي‌ده‌ كه‌ پياله‌ دلپذير است‌

از جام‌ و سبو گذشت‌ كارم‌                         وقت‌ خم‌ و نوبت‌ غدير است‌

برد از نگهي‌ دلِ همه‌ خلق‌              آهوي‌ تو سخت‌ شيرگير است‌[11]

در عشوة‌ آن‌ دو آهوي‌ چشم‌                       گر شير فلك‌ بود، اسير است‌

در چنبر آن‌ دو هندوي‌ زلف‌              خورشيد سپهر دستگير است‌

مي‌نوش‌ كه‌ چرخ‌ پير امروز              از ساغر خود پياله‌ گير است‌

امروز به‌ امر حضرت‌ حق                 ‌ بر خلق‌ جهان‌ علی أمير است‌

امروز به‌ خلق‌ گردد اظهار                آن‌ سرّ نهان‌ كه‌ در ضمير است‌

آن‌ پادشه‌ ممالك‌ جود                                در مُلك‌ وجود، بر سرير است‌

چندانكه‌ به‌ مدح‌ او سروديم‌                         يك‌ نُكته‌ ز صد نگفته‌ بوديم‌[12]

 اللهمّ صلّ وسلّم‌ علی المصطفي‌ محمّد، والمرتضي‌ علي‌ّ، والبتول‌ فاطمة‌، والسبطين‌ الحسن‌ والحسين‌، وصلّ علی زين‌ العبّاد علي‌ّ، والباقر محمّد، والصادق‌ جعفر، والكاظم‌ موسي‌، والرضا علي‌ّ، والتقي‌ّ محمّد، والنقي‌ّ علي‌ّ، والزكي‌ّ العسكري‌ّ الحسن‌، وصلّ علی المهدي‌ّ الهادي‌ّ صاحب‌ العصـر والزمان‌ وخليفة‌ الرحمن‌ وقاطـع‌ البرهان‌ وسـيّد الإنـس‌ والجانّ صلوات‌الله‌ وسلامه‌ عليه‌ وعليهم‌ أجمعين‌، والعن‌ أعداءَهم‌ وظالميهم‌ ومعانديهم‌ ومبغضيهم‌ وغاصبي‌ حقوقهم‌ ومنكري‌ فضائلهم‌ ومناقبهم‌ أبد الآبدين‌ ودهر الداهرين‌. آمين‌ ربّ العالمين‌.

 الرجوع الي الفهرس

 

الدرس‌ السابع‌ والسبعون‌ بعد المائة‌ إلی الثمانين‌ بعد المائة‌:

 أمير المؤمنين‌ عليه‌ السلام‌ عالم‌ بالتوراة‌ والإنجيل‌ وهو القائل‌: سَلُونِي‌

 

بِسْـمِ اللَهِ الـرَّحْمَنِ الـرَّحِيمِ

وصلَّي‌ اللهُ علی محمّد وآله‌ الطَّاهرين‌

ولعنة‌ اللَه‌ علی أعدائهم‌ أجمعين‌ من‌ الآن‌ إلی قيام‌ يوم‌ الدين‌

ولا حول‌ ولا قوّة‌ إلاّ باللَه‌ العلي‌ّ العظيم‌

 

لم‌ يكن‌ أحد عارفاً بالقرآن‌ بعد رسول‌ الله‌ كأمير المؤمنين‌

 قال‌ الله‌ الحكيم‌ في‌ كتابه‌ الكريم‌:

 وَكَذَ ' لِكَ أَنزَلْنَآ إِلَيْكَ الْكِتَـ'بَ فَالَّذِينَ ءَاتَينَـ'هُمُ الْكِتَـ'بَ يُؤْمِنُونَ بِهِ وَمِنْ هَـ'´ؤُلآءِ مَن‌ يُؤْمِنُ بِهِ وَمَا يَجْحَدُ بِـَايَـ'تِنَآ إِلاَّ الْكَـ'فِرُونَ * وَمَا كُنتَ تَتْلُوا مِن‌ قَبْلِهِ مِن‌ كِتَـ'بٍ وَلاَ تَخُطُّهُ و بِيَمِينِكَ إِذًا لاَّرْتَابَ الْمُبْطِلُونَ* بَلْ هُوَ ءَايَـ'تٌ بَيِّنَـ'تٌ فِي‌ صُدُورِ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ وَمَا يَجْحَدُ بِـَايَـ'تِنَآ إِلاَّ الظَّـ'لِمُونَ. [13]

 وكذلك‌ ( يكون‌ الإسلام‌ للّه‌، وتصديق‌ كتبه‌ ورسله‌ )... فالذين‌ آتيناهم‌ الكتاب‌، وهم‌ أهل‌ الكتاب‌ ( اليهود والنصاري‌، وهؤلاء بحسب‌ طبعهم‌ يؤمنون‌ بالله‌ وكتبه‌ ورسله‌ )...

 وعلي‌ هذا فحقيقة‌ القرآن‌ لا كلام‌ يجري‌ علی اللسان‌، ولا كلمات‌ تكتب‌ خطّيّاً، بل‌ هو آيات‌ بيّنات‌ في‌ صدور أُولي‌ العلم‌. وصدر أُولي‌ الالباب‌ كنز الذخائر ودفينة‌ النفائس‌ لعلوم‌ القرآن‌ وحكمه‌ ومعارفه‌.

 وقد أجمعت‌ الاُمّة‌ علی أنّ صدور الصحابة‌ والتابعين‌ والمخَضرمين‌ وسائر العلماء الإلهيّين‌ والحكماء الربّانيّين‌ وأولياء الله‌، حتّي‌ الانبياء السابقين‌ والاوصياء الماضين‌ لم‌ تكن‌ كصدر أمير المؤمنين‌ عليه‌ السلام‌ في‌ سعته‌ وقابليّته‌ لحمل‌ العلوم‌ والمعارف‌ الباطنيّة‌ والاسرار السبحانيّة‌ وخفايا ورموز النبوّة‌ والولاية‌. وكأنّ القرآن‌ عُجن‌ بوجوده‌، واختمر بجبلّته‌ وطينته‌، وانطوت‌ حقيقة‌ القرآن‌ في‌ حقيقة‌ وجوده‌. [14]

 قال‌ ابن‌ شـهرآشـوب‌: روي‌ ابن‌ أبي‌ البُخْتَـري‌ّ من‌ سـتّة‌ طرق‌، وابن‌المفضّل‌ من‌ عشر طرق‌، وإبراهيم‌ الثقفي‌ّ من‌ أربعة‌ عشر طريقاً منهم‌: عدي‌ّبن‌ حاتم‌، والاصبغ‌ بن‌ نُباتة‌، وعلقمة‌ بن‌ قيس‌، ويحيي‌بن‌ أُمّ الطويل‌، وزَرّبن‌ حُبَيش‌، وعَباية‌ بن‌ ربعي‌ّ، وعَباية‌ بن‌ رفاعة‌، وأبوالطُّفيل‌ أنّ أميرالمؤمنين‌ عليه‌ السلام‌ قال‌ بحضرة‌ المهاجرين‌ والانصار، وأشار إلی صدره‌:

 كَيْفَ مُلِي‌َ عِلْمَاً؟ لَوْ وَجدتُ لَهُ طَالِباً. سَلُونِي‌ قَبْلَ أَنْ تَفْقِدُونِي‌. هَذَا سَفَطُ [15]

العِلْمِ، هَذَا لُعَابُ رَسُولِ اللَهِ، هَذَا مَا زَقَّنِي‌ رَسُولُاللَهِ زَقَّاً، فَاسْأَلُونِي‌ فَإنَّ عِنْدِي‌ عِلْمَ الاَوَّلِينَ وَالآخِرِينَ.

 أَمَا وَاللَهِ لَوْ ثُنِيَتْ لِي‌َ الوِسَادَةُ [16]

 ثُمَّ أُجْلِسْتُ عَلَيْهَا، لَحَكَمْتُ بَيْنَ أَهْلَ التَّوْرَاةِ بِتَوْرَاتِهِمْ، وَبَيْنَ أَهْلِ الإنْجِيلِ بِإنجِيلِهِمْ، وَبَيْنَ أَهْلِ الزَّبُورِ بِزَبُورِهِمْ، وَبَيْنَ أَهْلِ الفُرْقَانِ بِفُرْقَانِهِمْ، حَتَّي‌ يُنَادِيَ كُلُّ كِتَابٍ بِأَنَّ عَلِيَّاً فِي‌َّ بِحُكْمِ اللَهِ فِي‌َّ.

 وَفِي‌ رِوَايَةٍ: حَتَّي‌ يُنْطِقَ اللَهُ التَّوْرَاةَ وَالإنْجِيلَ. وَفِي‌ رِوَايَةٍ: حَتَّيَ يَزْهَرَ كُلُّ كِتَابٍ مِنْ هَذِهِ الكُتُبِ وَيَقُولُ: يَا رَبِّ إنَّ عَلِيَّاً قَضَي‌ بِقَضَائِكَ.

 ثُمَّ قَالَ: سَلُونِي‌ قَبْلَ أَنْ تَفْقِدُونِي‌، فَوَالَّذِي‌ فَلَقَ الحَبَّةَ وَبَرَأَ النَّسَمَةَ لَوْ سَأَلْتُمُونِي‌ عَنْ آيَةٍ آيَةٍ فِي‌ لَيْلَةٍ أُنْزِلَتْ أَوْ فِي‌ نَهَارٍ أُنْزِلَتْ؟ مَكِّيَّهَا وَمَدَنِيِّهَـا؟ وَسَـفَرِيِّهَـا وَحَضَرِيِّهَـا؟ نَاسِـخِهَـا وَمَنْسُـوخِهَـا؟ وَمُحْكَمِهَا وَمُتَشَابِهِهِا؟ وَتَأْوِيلِهَا وَتَنْزِيلِهَا؟ لاَخْبَرْتُكُمْ.

 وقال‌ ابن‌ العودي‌ّ:

 وَمَـنْ ذَا يُـسَـامِيـهِ بِمَـجْـدٍ وَلَـمْ يَـزَلْ                    يَقُـولُ: سَـلُـونِي‌ مَـا يَـحِـلُّ وَيَـحْـرُمُ

 سَـلُونِـي‌ فَفِـي‌ جَنْبَـي‌َّ عِـلْـمٌ وَرِثْـتُـهُ                  عَنِ المُصْطَفَـي‌ مَا فَـاتَ مِنِّـي‌ بِهِ الفَمُ

 سَـلُونِي‌ عَنْ طُـرْقِ السَّـمَاوَاتِ إنَّـنـي‌                بِهَا عَنْ سُلُوكِ الطُّرْقِ فِي‌ الاَرْضِ أَعْلَمُ

 وَلَوْ كَـشَـفَ الـلَـهُ الغِطَـا لَـمْ أَزْدِ بِـهِ                    يَقِينَـاً علی مَـا كُـنْـتُ أَدْرِي‌ وَأَفْـهَـمُ

 الرجوع الي الفهرس

فتح‌ ألف‌ باب‌ من‌ العلم‌ لامير المؤمنين‌ عليه‌ السلام‌ عليه‌ السلام‌

 وروي‌ أبو نُعَيم‌ الحافظ‌ الإصفهاني‌ّ بإسناده‌ عن‌ زيد بن‌ علي‌ّ، عن‌ أبيه‌، عن‌ جدّه‌، عن‌ علی عليه‌ السلام‌ قال‌: عَلَّمَنِي‌ رَسُولُ اللَهِ أَلْفَ بَابٍ، يُفْتَحُ كُلُّ بَابٍ إلی أَلْفَ بَابٍ.

 وقد روي‌ أبو جعفر بن‌ بابويه‌ هذا الخبر في‌ « الخصال‌ » من‌ أربعة‌ وعشرين‌ طريقاً، وسعد بن‌ عبد الله‌ القمّي‌ّ في‌ « بصائر الدرجات‌ » من‌ ستّة‌ وستّين‌ طريقاً.

 وجاء عن‌ الإمام‌ الصادق‌ عليه‌ السلام‌ قوله‌: كَانَ فِي‌ ذُؤَابَةِ سَيْفِ النَّبِي‌ِّ صَلَّي‌اللَهُ عَلَيهِ وَآلِهِ صَحِيفَةٌ صَغِيرَةٌ هِي‌َ الاَحْرِفُ الَّتِي‌ يَفْتَحُ كُلُّ حَرْفٍ أَلَفَ حَرْفٍ، فَمَا خَرَجَ مِنْهَا حَرْفَانِ حَتَّي‌ السَّاعَةِ.

 وفي‌ رواية‌ أنّ عليّاً عليه‌ السلام‌ دفع‌ تلك‌ الصحيفة‌ إلی الحسن‌ عليه‌ السلام‌. فقرأ منها حروفاً. ثمّ أعطاها الحسين‌ عليه‌ السلام‌، فقرأها أيضاً. ثمّ أعطاها محمّد ابن‌ الحنفيّة‌ فلم‌ يقدر علی أن‌ يفتحها.

 وقال‌ أبو القاسم‌ البُستيّ: وذلك‌ نحو أن‌ يقول‌: الرِّبَا فِي‌ كُلِّ مَكِيلٍ فِي‌ العَادَةِ أَي‌َّ مَوْضِعٍ كَانَ وَفِي‌ كُلِّ مَوْزُونٍ.

 ونحو أن‌ يقول‌: يَحِلُّ مِنَ البَيْضِ كُلُّ مَا دَقَّ أَعْلاَهُ وَغَلُظُ أَسْفَلُهُ.

 ونحو أن‌ يقول‌: يَحرُمُ مِنَ السِّبَاعِ كُلُّ ذِي‌ نَابٍ، وَذِي‌ مِخْلَبٍ مِنَ الطَّيْرِ، وَيَحِلُّ البَاقِي‌.

 وكذلك‌ قول‌ الصادق‌ عليه‌ السلام‌: كُلُّ مَا غَلَبَ اللَهُ عَلَيْهِ مِنْ أَمْرِهِ فَاللَهُ أَعْذَرُ لِعَبْدِهِ.

 قال‌ الحِميَري‌ّ:

حَـدَّثَـهُ فِـي‌ مَجْلِـسٍ وَاحِـدٍ                      أَلْفَ حَـدِيثٍ مُعْجِبٍ حَاجِبِ

كُلُّ حَـدِيـثٍ مِـنْ أَحَـادِيـثِـهِ                       يَفْتَـحُ أَلْـفَ عُـدَّةِ الحَـاسَـبِ

فَتِلْـكَ وَفَّـتْ أَلْـفَ بَـابٍ لَـهُ                       فِيهَا جِمَاعُ المُحْكَمِ الصَّائِبِ [17]

 وقال‌ أيضاً:

وَكَفَـاهُ بِأَلْـفِ أَلْـفِ حَـدِيثٍ                        قَدْ وَعَاهُـنَّ مِـنْ وَحْي‌ٍ مَجِيدِ

قَدْ وَعَاهَا فِي‌ مَجْلِسٍ بِمَعَانِيهَا                 وَأَسْـبَابِهَـا وَوَقْـتِ الحُـدُودِ[18]

 وقال‌ كذلك‌:

عَلِي‌ٌّ أَميرُ المؤمِنِينَ أَخُو الهُدَي               ‌ وَأَفْضَلُ ذِي‌ نَعْلٍ وَمَنْ كَانَ حَافِيا

أَسَرَّ إلَيْهِ أَحْمَدُ العِلْمَ جُمْلَةً                     وَكَانَ لَهُ دُونَ البَرِيَّةِ وَاعِيَا

وَدَوَّنَهُ فِي‌ مَجْلِسٍ مِنْهُ وَاحِدٍ                   بِأَلْفِ حَدِيثٍ كُلُّهَا كَانَ هَادِيَا

وَكُلُّ حَدِيثٍ مِنْ أُولَئِكَ فَاتِحٌ                      لَهُ أَلْفَ بَابٍ فَاحْتَوَاهَا كَمَا هِيَا[19]

 وروي‌ أبان‌ بن‌ تَغْلِب‌، والحسين‌ بن‌ معاوية‌، وسليمان‌ الجعفري‌ّ، وإسماعيل‌بن‌ عبدالله‌بن‌ جعفر كلّهم‌ عن‌ أبي‌ عبدالله‌ ( الصادق‌ ) عليه‌ السلام‌ أ نّه‌ قال‌: لمّا حضر رسول‌ الله‌ صلّي‌ الله‌ عليه‌ وآله‌ الممات‌، دخل‌ عليه‌ علی عليه‌ السلام‌، فأدخل‌ رأسه‌ معه‌، ثمّ قال‌: يَا عَلِي‌ُّ! إذَا أَنَا مِتُّ فَغَسِّلْنِي‌ وَكَفِّنِي‌، ثُمَّ أَقْعِدْنِي‌ وَسَايِلْنِي‌ وَاكْتُبْ.

 وفي‌ « تهذيب‌ الاحكام‌ » بهذا اللفظ‌: فَخُذْ بِمَجَامِعِ كَفَنِي‌ وَأَجْلِسْنِي‌ ثُمَّ اَسْأَلْنِي‌ عَمَّا شِئْتَ، فَوَاللَهِ لاَ تَسْأَلُنِي‌ عَنْ شَي‌ءٍ إلاَّ أَجَبْتُكَ فِيهِ.

 وجاء في‌ رواية‌ أبي‌ عوانة‌ بإسناده‌: قَالَ عَلِيٌّ: فَفَعَلْتُ فَأَنْبَأَنِي‌ بِمَا هُوَ كَائِنٌ إلی يَوْمِ القِيَامَةِ.[20]

 وروي‌ جميع‌ بن‌ عمير التيميّ عن‌ عائشة‌ في‌ خبر أ نّها قالت‌: وسَالَتْ نَفْسُ رَسُولِ اللَهِ صَلَّي‌ اللَهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ فِي‌ كَفِّهِ (كفّ علی عليه‌ السلام‌) ثُمَّ رَدَّهَا فِي‌ فِيهِ.

 وبلغني‌ عن‌ الصفواني‌ّ أ نّه‌ قال‌: حدّثني‌ أبو بكر بن‌ مهرويه‌ بإسناده‌ إلی أُمّ سلمة‌ في‌ خبر، قالت‌: كنتُ عند النبي‌ّ الاكرم‌ صلّي‌الله‌ عليه‌ وآله‌، فدفع‌ إلی كتاباً فقال‌: من‌ طلب‌ هذا الكتاب‌ منكِ ممّن‌ يقوم‌ بعدي‌، فادفعيه‌ إليه‌! ثمّ ذكرت‌ قيام‌ أبي‌ بكر، وعمر، وعثمان‌، وأ نّهم‌ ما طلبوه‌.

 وقالت‌: فلمّا بويع‌ عليّ عليه‌ السلام‌، نزل‌ عن‌ المنبر، ومرّ، وقال‌ لي‌: يا أُمّسلمة‌ هاتي‌ الكتاب‌ الذي‌ دفعه‌ إليكِ رسول‌الله‌ صلّي‌الله‌ عليه‌ وآله‌. فقلتُ له‌: أنتَ صاحبه‌؟ فقال‌: نعم‌. فدفعته‌ إليه‌. وسئل‌ علی عليه‌ السلام‌: ما كان‌ في‌ الكتاب‌؟ قال‌: كُلُّ شَي‌ءٍ دُونَ قِيَامِ السَّاعَةِ.

 وفي‌ رواية‌ ابن‌ عبّاس‌: فلمّا قام‌ علی عليه‌ السلام‌ بأمر الخلافة‌، أتاها وطلب‌ الكتاب‌، ففتحه‌ ونظر فيه‌ فقال‌: هَذَا عِلْمُ الاَبَدِ.

 وقال‌ الصادق‌ عليه‌ السلام‌: يَمُصُّونَ الثِّمَادَ وَيَدَعُونَ النَّهْرَ العَظِيمَ. ( الثماد جمع‌ الثَّمْد، وهو الماء القليل‌ والنزّ [21] الذي‌ يتجمّع‌ في‌ الشتاء وينضب‌ في‌ الصيف‌ ).

 فسئل‌ عن‌ معني‌ ذلك‌، فقال‌: عِلْمُ النَّبِيِّينَ بِأَسْرِهِ أَوْحَاهُ اللَهُ إلی مُحَمَّدٍ، فَجَعَلَ مُحَمَّدٌ ذَلِكَ كُلَّهُ عِنْدَ عَلِي‌ٍّ، وَكَانَ عَلَيهِ السَّلاَمُ يَدَّعِي‌ فِي‌ العِلْمِ دَعْوَيً مَا سُمِعَتْ قَطُّ مِنْ أَحَدٍ.

 الرجوع الي الفهرس

تقرير الإمام‌ عليه‌ السلام‌ حول‌ علمه‌

 وروي‌ حنش‌ الكناني‌ّ أ نّه‌ سمع‌ عليَّاً يقول‌: وَاللَهِ لَقَدْ عَلِمْتُ بِتَبْلِيغِ الرِّسَالاَتِ وَتَصْدِيقِ العِدَاتِ وَتَمَامِ الكَلِمَاتِ.

 وقوله‌ عليه‌ السلام‌: إنَّ بَيْنَ جَنْبَيَّ لَعِلْمَاً جَمَّاً لَوْ أَصَبْتُ لَهُ حَمَلَةً، شاهد علی ذلك‌.

 وقوله‌ أيضاً: لَوْ كُشِفَ الغِطَاءُ مَا ازْدَدْتُ يَقِيناً.

 وروي‌ عن‌ سلمان‌ أنّ عليّاً قال‌: عِنْدِي‌ عِلْمُ المَنَايَا وَالبَلاَيَا وَالوَصَايَا والاَنْسَابُ ( تُعرف‌ به‌ الانساب‌ )، وَفَصْلُ الخِطَاب‌ ( وبه‌ يتميّز الحقّ عن‌ الباطل‌ بنحو جازم‌ )، وَمَوْلِدُ الإسلام وَمَوْلِدُ الكُفْرِ ( وبه‌ يتّضح‌ المخلوق‌ من‌ فطرة‌ الإسلام‌، والمخلوق‌ من‌ فطرة‌ الكفر )، وَأَنَا صَاحِبُ المِيسَمِ ( حديدة‌ أو شي‌ء آخر يُوسَم‌ به‌ ويُختم‌ ويُكْوَي‌. وبواسطة‌ هذا المِيسَم‌ يسم‌ الإمام‌ المنافقين‌ والمنكرين‌ والظالمين‌ يوم‌ القيامة‌ بعلامة‌ جهنّم‌ ليعرفوا أ نّهم‌ من‌ أهلها )، وَأَنَا الفَارُوقُ الاَكْبَرُ ( أنا أكبر فاصل‌ ومميّز بين‌ السعادة‌ والشقاء، وأهل‌ الجنّة‌ وأهل‌ النار، والحقّ والباطل‌، والإيمان‌ والكفر )، وَدَوْلَةُ الدُّوَلِ ( أي‌: موضع‌ الانقلابات‌ والتغييرات‌ ). فَسَلُونِي‌ عَمَّا يَكُونُ إلی يَوْمِ القِيَامَةِ وَعَمَّا كَانَ قَبْلِي‌ وَعَلَي‌ عَهْدِي‌ وَإلَي‌ أَنْ يُعْبَدَ اللَهُ.

 قال‌ ابن‌ المُسَيِّب‌: مَا كَانَ فِي‌ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَهِ صَلَّي‌ اللَهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ أَحَدٌ يَقُولُ: سَلُونِي‌، غَيْرُ علی بْنِ أَبِي‌ طَالِبٍ. [22]

 وقال‌ ابن‌ شُبْرُمة‌: مَا أَحَدٌ قَالَ علی المِنْبَرِ: سَلُونِي‌، غَيْرُ عَلِي‌ٍّ.

 الرجوع الي الفهرس

قوله‌: «سلوني‌» يرتبط‌ بحقائق‌ القرآن‌ وباطنه‌ لا بظاهره‌

 وقال‌ الله‌ تعالي‌: تِبْيَـ'نًا لِكُلِّ شَيْءٍ. [23] وقال‌: وَكُلَّ شَي‌ءٍ أَحْصَيْنَـ'هُ فِي‌´ إِمَامٍ مُّبِينٍ. [24] وقال‌ أيضاً: وَلاَ رَطْبٍ وَلاَ يَابِسٍ إِلاَّ فِي‌ كِتَـ'بٍ مُّبِينٍ. [25] فإذا كان‌ ذلك‌ غيرموجود في‌ ظاهره‌، فهل‌ يكون‌ موجوداً إلاّ في‌ تأويله‌؟

 كما قال‌ تعالي‌: وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ و´ إِلاَّ اللَهُ وَالرَّ ' سِخُونَ فِي‌ الْعِلْمِ. [26] وهو ( أي‌ الحقائق‌ الباطنيّة‌ وتأويل‌ القرآن‌ ) الذي‌ عني‌ عليه‌ السلام‌ بقوله‌: سَلُونِي‌ قَبْلَ أَنْ تَفْقِدُونِي‌.

 ولو كان‌ قد عني‌ به‌ ظاهره‌، ففي‌ الاُ مّة‌ كثير يعلم‌ ذلك‌ ولايخطي‌ فيه‌ حرفاً. ولم‌يكن‌ عليه‌ السلام‌ ليقول‌ من‌ ذلك‌ علی رؤوس‌ الاشهاد ما يعلم‌ أ نّه‌ لايصحّ من‌ قوله‌، وأنّ غيره‌ يساويه‌ فيه‌ أو يدّعي‌ علی شي‌ءٍ منه‌ معه‌. فإذا ثبت‌ أ نّه‌ لانظير له‌ عليه‌ السلام‌ في‌ العلم‌، صحّ أ نّه‌ أولي‌ بالإمامة‌. قال‌ ابن‌حمّاد:

قُلْتَ سَـلُونِي‌ قَبْلَ فَقْدِي‌ إنَّ لِي‌              عِلْمَاً وَمَـا فِيكُـمْ لَهُ مُـسْـتَـوْدَعُ

وَكَذَاكَ لَوْ ثُنِي‌ الوَسَـادُ حَكَمْتُ                 بِالكُتُبِ الَّتِي‌ فِيهَا الشَّرَايِعُ تُشْرَعُ

 وقال‌ العوني‌ّ:

وَكَمْ عُلُومٍ مَقَفَلاَتٍ فِي‌ الوَرَي‌                  قَـدْ فَـتَـحَ اللَـهُ بِـهِ أَقْـفَـالَـهَـا

حَـرَّمَ بَعْدَ المُصْطَفَي‌ حَـرَامَهَا                  كَـمَـا أَحَـلَّ بَيْنَهُـمْ حَـلاَلَـهَـا

وَكَـمْ بِحَمْـدِ اللَهِ مِـنْ قَضِيَّـةٍ                    مُـشْـكِلَةٍ حَـلَّ بِهِـمْ إشـكَالَهَا

حَتَّي‌ أَقَرَّتْ أَنْفُـسُ القَوْمِ بِأَنْ                   لَوْلاَ الوَصِي‌ُّ ارْتَكَبَتْ ضَلاَلَهَا

 وقال‌ العوني‌ّ أيضاً:

وَمَنْ رَكِبَ الاَعْـوَادَ يَخْطُبُ فِي‌ الوَرَي‌                    وَقَالَ: سَـلُونِـي‌ قَبْلَ فَـقْـدِي‌ لاِفْهِمَـا

 وقال‌ ابن‌ حمّاد:

هَـلْ سَـمِعْـتُـمْ بِقَـائِـلٍ قَبْلَـهُ                   قَالَ: سَلُونِي‌ قَبْلَ أَنْ تَفْقِدُونِ

 وله‌ أيضاً:

سَلُونِي‌ أَيُّهَا النَّاسُ سَلُونِي‌ قَبْلَ فِقْدَانِي              ‌ فَعِنْدِي‌ عِلْمُ مَا كَانَ وَمَا يَأْتِي‌ وَمَا يَأْنِي‌

 شَـهِدْنَا أَ نَّكَ العَالِمُ فِي‌ عِلْمِكَ رَبَّانِي                   ‌ وَقُلْتَ الحَقَّ يَا حَقُّ وَلَمْ تَنْطِقْ بِبُهْتَانِ

 وله‌ كذلك‌:

 مَـن‌ قَالَ بِالبَصْـرَةِ لِلنَّاسِ سَـلُونِـي‌                      مِنْ قَبْلِ أَنْ أُفْقَدَ مِنْ طُـرْقِ السَّـمَاء

 وقال‌ زيد المرزكي‌ّ:

 مَدِيـنَـةُ العِلْـمِ علی بَـابُـهَـا                     وَكُلُّ مَنْ حَـادَ عَنِ البَابِ جَهَلْ

 أَمْ هَلْ سَـمِعْتُـمْ قَبْلَهُ مِـنْ قَائِلٍ             قَالَ: سَلُونِي‌ قَبْلَ إدْرَاكِ الاَجَلْ

 وأنشد شاعر آخر قائلاً:

 قَالَ: اسْـأَلُونِي‌ قَبْلَ فَقْـدِي‌ وَذَا               إبَـانَـةٌ عَـنْ عِـلْـمِـهِ الـبَـاهِـرِ

 لَوْ شِئْتُ أَخْبَرْتُ بِمَنْ قَدْ مَضَي‌               وَمَـا بَقِـي‌ فِـي‌ الزَّمَـنِ الغَابِـر [27]

 وروي‌ ابن‌ شهرآشوب‌ أيضاً عن‌ مقاتل‌ بن‌ سليمان‌، عن‌ الضحّاك‌، عن‌ ابن‌ عبّاس‌ في‌ تفـسـير الآية‌ الشـريفة‌: إِنَّمَا يَخْـشَـي‌ اللَهَ مِن‌ عِبَادِهِ الْعُلَمَـ'´ؤُا [28] أ نّه‌ قال‌: كَانَ علی عَلَيهِ السَّلاَمُ يَخْشَي‌ اللَهَ وَيُرَاقِبُهُ وَيَعْمَلُ بِفَرائِضِهِ وَيُجَاهِدُ فِي‌ سَبِيلِهِ.

 وروي‌ الصفوانـي‌ّ في‌ كتاب‌ « الإحـن‌ والمحـن‌ » عن‌ الكَلبـي‌ّ، عن‌ أبي‌صالح‌، عن‌ ابن‌ عبّاس‌ قال‌: حم‌، اسْمٌ مِنْ أَسْمَاءِ اللَهِ. عسق‌، عِلْمُ علی سَبَقَ كُلَّ جَمَاعَةٍ وَتَعَالَي‌ عَنْ كُلِّ فِرْقَةٍ. [29]

 وخاطب‌ الزاهي‌ّ أمير المؤمنين‌ عليه‌ السلام‌ واصفاً بحر علمه‌ الموّاج‌ المتلاطم‌ فقال‌:

 مَا زِلْتَ بَعْدَ رَسُولِ اللَهِ مُنْفَرِدَاً                بَحْرَاً يَفِيضُ علی الوُرَّادِ أَزْخُرُهُ

 أَمْوَاجُهُ العِلْمُ وَالبُرْهَانُ لُجَّتَهُ                  وَالحِلْمُ شَطَّاهُ وَالتَّقْوَي‌ جَوَاهِرُهُ [30]

 ( فإذا ماج‌ البحر، تأ لّق‌ ذلك‌ العلم‌ والوضوح‌ والبرهان‌ وأبرز حقيقته‌ ). وحلمك‌ وصبرك‌ كجانبي‌ البحر، إذ يحفظان‌ بحر العلم‌ والمعرفة‌ المتلاطم‌ الزخّار ( ولا يدعان‌ مياهه‌ تنساب‌ منه‌، فتطغي‌ كثرة‌ العلم‌، وينفلت‌ الزمام‌، ويُفرض‌ علی الناس‌ كلام‌ فوق‌ طاقتهم‌، أو تُحسم‌ أُمورهم‌ بالسيف‌ ). وإنّ ما يعدّ من‌ جواهر هذا البحر وأشيائه‌ النفيسة‌، وما يحصل‌ منه‌ من‌ جوهرة‌ ثمينة‌ هو التقوي‌ والعصمة‌ والطهارة‌ التي‌ يُتْحَفُ بها عالم‌ الإنسانيّة‌.

 أجل‌، إنّ ما أُثِر عن‌ الإمام‌ في‌ العلوم‌ الإلهيّة‌ والمعارف‌ السبحانيّة‌ ووحدة‌ ذات‌ الحقّ تعالي‌ وتقدّس‌، وكشف‌ رموز العالم‌ وأسراره‌ العجيبة‌، سواء كان‌ في‌ « نهج‌ البلاغة‌ » أم‌ في‌ سائر الكتب‌، علی درجة‌ عالية‌ من‌ العظمة‌ والفخامة‌، وله‌ مرتبته‌ السامقة‌ الرفيعة‌ البالغة‌ ذروة‌ العلوّ والرفعة‌ بحيث‌ حيّر العقول‌. ولم‌ يكن‌ أحد قبل‌ الإمام‌ وبعده‌ يباريه‌ في‌ درجته‌ أو يفاضله‌. وننقل‌ فيما يأتي‌ عدداً من‌ الاخبار في‌ هذا الموضوع‌:

 الرجوع الي الفهرس

خطبة‌ الإمام‌ وقوله‌: «سلوني‌»

 الاوّل‌: حديث‌ ذِعْلب‌ الذي‌ رواه‌ الشيخ‌ الصدوق‌ عن‌ أحمدبن‌ الحسن‌ القطّان‌، وعلي‌ّ بن‌ أحمد بن‌ محمّد بن‌ عِمران‌ الدقّاق‌، وهما روياه‌ عن‌ أحمدبن‌ يحيي‌بن‌ زكريّا القطّان‌، وهو رواه‌ عن‌ محمّدبن‌ العبّاس‌، وهذا رواه‌ عن‌ محمّدبن‌ أبي‌ السَّرِي‌ّ، ومحمّد نقله‌ عن‌ أحمدبن‌ عبدالله‌بن‌ يونس‌، عن‌ سعد الكِناني‌ّ، عن‌ الاصبغ‌ بن‌ نُباتة‌ قال‌: لمّا جلس‌ علی عليه‌ السلام‌ في‌ الخلافة‌ وبايعه‌ الناس‌، خرج‌ إلی المسجد متعمّماً بعمامة‌ رسول‌الله‌ صلّي‌الله‌ عليه‌ وآله‌، لابساً بردة‌ رسول‌ الله‌ صلّي‌ الله‌ عليه‌ وآله‌، متنعّلاً نعل‌ رسول‌الله‌ صلّي‌ الله‌ عليه‌ وآله‌، متقلّداً سيف‌ رسول‌الله‌ صلّي‌الله‌ عليه‌ وآله‌، فصعد المنبر، فجلس‌ عليه‌ متمكّناً، ثمّ شبّك‌ بين‌ أصابعه‌ فوضعها أسفل‌ بطنه‌، ثمّ قال‌:

 يَا مَعْشَرَ النَّاسِ! سَلُونِي‌ قَبْلَ أَنْ تَفْقِدُونِي‌، هَذَا سَفَطُ ( نوع‌ من‌ الزنبيل‌ أو الجوالق‌ يوضـع‌ فيه‌ الحِمـل‌ ) العِلْمِ، هَـذَا لُعَابُ رَسُـولِ اللَهِ صَلَّي‌ اللَهُ عَلَيهِ وَآلِهِ، هَذَا مَا زَقَّنِي‌ رَسُولُ اللَهِ صَلَّي‌ اللَهُ عَلَيهِ وَآلِهِ زَقَّاً زَقَّاً، سَلُونِي‌ فَإنَّ عِنْدِي‌ عِلْمَ الاَوَّلِينَ وَالآخِرِينَ. أَمَا وَاللَهِ لَوْ ثُنِيَتْ لِي‌َ الوِسَادَةُ فَجَلَسْتُ عَلَيْهَا لاَفْتَيْتُ أَهْلَ التَّوْرَاةِ بِتَوْرَاتِهِمْ حَتَّي‌ تَنْطِقَ التَّوْرَاةُ فَتَقُولَ: صَدَقَ عَلِيٌّ، مَا كَذَبَ، لَقَدْ أَفْتَاكُمْ بِمَا أنْزَلَ اللَهُ فِي‌َّ.

 وَأَفْتَيْتُ أَهْلَ الإنْجِيلِ بِإنْجِيلِهِمْ حَتَّي‌ يَنْطِقُ الإنْجِيلُ فَيَقُولَ: صَدَقَ عَلِي‌ٌّ، مَا كَذَبَ، لَقَدْ أَفْتَاكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَهُ فِي‌َّ.

 وَأَفْتَيْتُ أَهْلَ القُرْآنِ بِقُرْآنِهِمْ حَتَّي‌ يَنْطِقَ القُرْآنُ فَيَقُولَ: صَدَقَ عَلِي‌ٌّ، مَا كَذَبَ، لَقَدْ أَفْتَاكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَهُ فِي‌َّ، وَأَنْتُمْ تَتْلُونَ القُرْآنَ لَيْلاً وَنَهَارَاً. [31] ( والقرآن‌ كتاب‌ يعنيكم‌ وأنتم‌ تشتغلون‌ به‌ وتأنسون‌ إليه‌ ) فَهَلْ فِيكُمْ أَحَدٌ يَعْلَمُ مَا نَزَلَ فِيهِ؟

 وَلَوْلاَ آيَةٌ فِي‌ كِتَابِ اللَهِ لاَخْبَرْتُكُمْ بِمَا كَانَ وَبِمَا يَكُونُ وَمَا هُوَ كَائِنٌ إلی يَوْمِ القِيَامَةِ وَهِي‌َ هَذِهِ الآيَةُ: «يَمْحُو اللَهُ مَا يَشَآءُ وَيُثْبِتُ وَعِنْدَهُ و´ أُمُّ الْكِتَـ'بِ». [32] ( أصل‌ الكتب‌ والمقدّرات‌ والقضاء الذي‌ لايقبل‌ التبديل‌ والتغيير ).

 ثمّ قال‌: سَلُونِي‌ قَبْلَ أَنْ تَفْقِدُونِي‌، فَوَاللَهِ الَّذِي‌ فَلَقَ الحَبَّةَ وَبَرَأَ النَّسَمَةَ لَوْ سَأَلْتُمُونِي‌ عَنْ آَيَةٍ فِي‌ لَيْلٍ أُنْزِلَتْ أَوْ فِي‌ نَهَارٍ أُنْزِلَتْ؟ مَكِّيِّهَا وَمَدَنِيِّهَا؟ سَفَريِّهَا وَحَضَرِيِّهَا؟ نَاسِخِهَا وَمَنْسُوخِهَا؟ مُحْكَمِهَا وَمُتَشَابِهِهَا؟ وَتَأْوِيلِهَا وَتَنْزِيلِهَا؟ لاَخْبَرْتُكُمْ.

 الرجوع الي الفهرس

سؤالُ ذِعْلِب‌ الإمام حولَ رؤية‌ الله‌

 فَقَامَ إِلَيْهِ رَجُلٌ يُقَالَ لَهُ ذِعلِبٌ، وَكَانَ ذَرِبَ اللِّسَانِ، بَلِيغَاً فِي‌ الخُطَبِ، شُجَاعَ القَلْبِ، فَقَالَ: لَقَدِ ارْتَقَي‌ ابْنُ أَبِي‌ طَالِبٍ مِرْقَاةً صَعْبَةً، لاَخجِّلَنَّهُ اليَوْمَ لَكُمْ فِي‌ مَسْأَلَتِي‌ إيَّاهُ.

 فَقَالَ: يَا أَمِيرَ المُؤْمِنِينَ! هَلْ رَأَيْتَ رَبَّكَ؟ قَالَ: وَيْلَكَ يَا ذِعْلِبُ! لَمْ أَكُنْ بِالَّذِي‌ أَعْبُدُ رَبَّاً لَمْ أَرَهُ. قَالَ: فَكَيْفَ رَأَيْتَهُ؟ صِفْهُ لَنَا.

 قَالَ: وَيْلَكَ! لَمْ تَرَهُ العُيُونُ بِمُشَاهَدَةِ الاَبْصَارِ وَلَكِنْ رَأَتْهُ القُلُوبُ بِحَقَائِقِ الإيمَانِ. وَيْلَكَ يَا ذِعْلِبُ! إنَّ رَبِّي‌ لاَ يُوصَفُ بِالبُعْدِ ( ولايمكن‌ أن‌ يقال‌ له‌: بعيد )، وَلاَ بِالحَرَكَةِ، وَلاَ بِالسُّكُونِ ( لايمكن‌ أن‌ يقال‌ له‌: متحرّك‌ أو ساكن‌ )، وَلاَ بِالقِيَامِ قِيَامَ انْتِصَابٍ، وَلاَ بِجِيئَةٍ وَلاَ بِذَهَابٍ ( ولايمكن‌ أن‌ يقال‌ له‌: قائم‌، وجائي‌ وذاهب‌ )، لَطِيفُ اللَّطَافَةِ لاَ يُوصَفُ بِالُّلطْفِ، عَظِيمُ العَظَمَةِ لاَ يُوصَفُ بِالعِظَمِ ( ولا يمكن‌ أن‌ يقال‌ له‌: عظيم‌ )، كَبِيرُ الكِبْرِيَاءِ لاَ يُوصَفُ بِالكِبْرِ ( ولا يمكن‌ أن‌ يقال‌ له‌: كبير )، جَلِيلُ الجَلاَلَةِ لاَ يُوصَفُ بِالغِلْظِ، رؤُوفُ الرَّحْمَةِ لاَ يُوصَفُ بِالرِّقَّةِ، [33] مُؤْمِنٌ لاَ بِعَبادَةٍ، مُدْرِكٌ لاَ بِمِجَسَّةٍ، قَائِلٌ لاَ بِاللَّفْظِ.

 هُوَ فِي‌ الاَشْيَاءِ علی غَيْرِ مُمَازَجَةٍ ( فتشتبه‌ الخالقيّة‌ والمخلوقيّة‌ )، خَارِجٌ مِنْهَا علی غَيْرِ مُبَايَنَةٍ ( ويظهر الانقطاع‌ من‌ حيث‌ القيام‌ الوجودي‌ّ والذاتي‌ّ بينها )، فَوْقَ كُلِّ شَي‌ءٍ فَلاَ يُقَالُ: شَي‌ءٌ فَوْقَهُ، وَأَمَامَ كُلِّ شَي‌ءٍ فَلاَ يُقَالُ: لَهُ أَمَامٌ. دَاخِلٌ فِي‌ الاَشْيَاءِ لاَ كَشَي‌ْءٍ فِي‌ شَي‌ْءٍ دَاخِلٍ، وَخَارِجٌ مِنْهَا لاَ كَشَي‌ْءٍ مِنْ شَي‌ْءٍ خَارِجٍ.

 فخرّ ذِعلب‌ مغشيّاً عليه‌، ثمّ قال‌: تاللهِ ما سمعتُ بمثل‌ هذا الجواب‌. والله‌ لاعدتُ إلی مثلها.

 الرجوع الي الفهرس

كلام‌ الإمام‌ عليه‌ السلام‌ في‌ جواب‌ الاشعث‌ حول‌ المجوس‌

 ثمّ قال‌ أمير المؤمنين‌ عليه‌ السلام‌: سَلُونِي‌ قَبْلَ أَنْ تَفْقِدُونِي‌. فقام‌ إليه‌ الاشعث‌بن‌ قيس‌، فقال‌: يا أمير المؤمنين‌! كيف‌ يؤخذ من‌ المجوس‌ الجِزية‌ ولم‌ينزل‌ عليهم‌ كتاب‌، ولم‌ يُبعث‌ إليهم‌ نبي‌ّ؟

 قال‌ عليه‌ السلام‌: بلي‌ يا أشعث‌؛ قد أنزل‌ الله‌ عليهم‌ كتاباً وبعث‌ إليهم‌ رسولاً. حتّي‌ كان‌ لهم‌ مَلِكٌ سكر ذاتَ ليلةٍ فدعا بابنته‌ إلی فراشه‌ فارتكبها، فلمّا أصبح‌ تسامع‌ به‌ قومه‌، فاجتمعوا إلی بابه‌، فقالوا: أيّها الملك‌! دنّست‌ علينا ديننا وأهلكته‌، فاخرج‌ نطهِّرْك‌ ونُقِم‌ عليك‌ الحدّ. فقال‌ لهم‌: اجتمعوا واسمعوا كلامي‌، فإن‌ يكن‌ لي‌ مخرج‌ ممّا ارتكبتُ، وإلاّ فشأنكم‌.

 فاجتمعوا، فقال‌ لهم‌: هل‌ علمتم‌ أنّ الله‌ لم‌ يخلق‌ خلقاً أكرم‌ عليه‌ من‌ أبينا آدم‌ وأُمّنا حوّاء؟ قالوا: صدقتَ أيّها الملك‌. قال‌: أفليس‌ قد زوّج‌ بنيه‌ من‌ بناته‌ وبناته‌ من‌ بنيه‌؟ قالوا: صدقتَ أيّها الملك‌، هذا هو الدين‌ ( فلا إشكال‌ في‌ نكاح‌ المحارم‌ والبنت‌ والاُمّ والاُخت‌ ). فتعاقدوا علی ذلك‌ ( ومنذ ذلك‌ الحين‌ تزوّجوا بمحارمهم‌ ). [34]

 وعلي‌ هذا الاساس‌ محا الله‌ ما في‌ صدورهم‌ من‌ العلم‌، ورفع‌ عنهم‌ الكتاب‌. فهم‌ كفرة‌ يدخلون‌ النار بلا حساب‌، والمنافقون‌ أشدّ حالاً منهم‌.

 قال‌ الاشعث‌: والله‌ ما سمعتُ بمثل‌ هذا الجواب‌. والله‌ لاعدتُ إلی مثلها أبداً.

 الرجوع الي الفهرس

جواب‌ الإمام‌ عليه‌ السلام‌ للسائل‌ الذي‌ طلب‌ النجاة‌ من‌ النار

 ثمّ قال‌ أمير المؤمنين‌ عليه‌ السلام‌: سَلُونِي‌ قَبْلَ أَنْ تَفْقِدُونِي‌. فقام‌ إليه‌ رجل‌ من‌ أقصي‌ المسجد متوكّئاً علی عصاه‌، فلم‌يزل‌ يتخطّي‌ الناس‌ حتّي‌ دنا منه‌ عليه‌ السلام‌، فقال‌: يا أمير المؤمنين‌! دلّني‌ علی عمل‌ إذا عملتُه‌ نجّاني‌ الله‌ من‌ النار.

 قَالَ لَهُ: اسْمَعْ يَا هَذَا ثُمَّ افْهَمْ ثُمَّ اسْتَيْقِنْ. قَامَتِ الدُّنْيَا بِثَلاَثَةٍ: بِعَالِمٍ مُسْتَعْمِلٍ لِعِلْمِهِ، وَبَغَنِي‌ٍّ لاَ يَبْخَلُ بِمَالِهِ علی أَهْلِ دِينِ اللَهِ، وَبِفَقِيرٍ صَابِرٍ، فَإذَا كَتَمَ العَالِمُ عِلْمَهُ، وَبَخِلَ الغَنِي‌ُّ، وَلَمْ يَصْبِرِ الفَقَيرُ، فَعِنْدَهَا الوَيْلُ وَالثُّبُورُ، وَعِنْدَهَا يَعْرِفُ العَارِفُونَ بِاللَهِ أَنَّ الدَّارَ قَدْ رَجَعَتْ إلی بَدْئِهَا، أَي‌: الكُفْرِ بَعْدَ الإيمَانِ.

 أَيُّهَا السَّائِلُ! فَلاَ تَغْتَرَّنَّ بِكَثْرَةِ المَسَاجِدِ وَجَمَاعَةِ أَقْوَامٍ أَجْسَادُهُمْ مُجْتَمِعَةٌ وَقُلُوبُهُمْ شَتَّي‌. أَيُّهَا السَّائِلُ! إنَّمَا النَّاسُ ثَلاَثَةٌ: زَاهِدٌ وَرَاغِبٌ وَصَابِرٌ. فَأَمَّا الزَّاهِدُ فَلاَ يَفْرَحُ بِشَي‌ءٍ مِنَ الدُّنْيَا أَتَاهُ وَلاَ يَحْزَنُ علی شَي‌ءٍ مِنْهَا فَاتَهُ. وَأَمَّا الصَّابِرُ فَيَتَمَنَّاهَا بِقَلْبِهِ، فَإنْ أَدْرَكَ مِنْهَا شَيْئَاً، صَرَفَ عَنْهَا نَفْسَهُ لِمَا يَعْلَمُ مِنْ سُوءٍ عَاقِبَتِهَا. وَأَمَّا الرَّاغِبُ فَلاَ يُبَالِي‌ مِنْ حِلٍّ أَصَابَهَا أَمْ مِنْ حَرَامِ.

 قال‌ له‌ ذلك‌ السائل‌: يا أمير المؤمنين‌! فما علامة‌ المؤمن‌ في‌ ذلك‌ الزمان‌؟ قَالَ: يَنْظُرُ إلی مَا أَوْجَبَ اللَهُ عَلَيهِ مِنْ حَقٍّ فَيَتَوَلاَّهُ وَيَنْظُرُ إلی مَا خَالَفَهُ فَيَتَبَرَّأُ مِنْهُ وَإنْ كَانَ حَمِيمَاً قَرِيبَاً.

 قال‌ السائل‌: صدقت‌ والله‌ يا أمير المؤمنين‌. ثمّ غاب‌ الرجل‌ فلم‌نره‌، فطلبه‌ الناس‌، فلم‌يجدوه‌، فتبسّم‌ أمير المؤمنين‌ عليه‌ السلام‌ علی المنبر، ثمّ قال‌: ما لكم‌؟ هذا أخي‌ الخضر عليه‌ السلام‌. [35]

 الرجوع الي الفهرس

كلام‌ الحسنين‌ عليهما السلام‌ وروايتهما حديثين‌ في‌ علم‌ علی

 ثمّ قال‌ أمير المؤمنين‌ عليه‌ السلام‌: سَلُونِي‌ قَبْلَ أَنْ تَفْقِدُونِي‌. فلم‌يقم‌ إليه‌ أحد. فحمد الله‌ وأثني‌ عليه‌، وصلّي‌ عليه‌ نبيّه‌ صلّي‌ الله‌ عليه‌ وآله‌، ثمّ قال‌ للحسن‌ عليه‌ السلام‌: يَا حَسَنُ! قُمْ فَاصْعَدِ المِنْبَرَ فَتَكَلَّمْ بِكَلاَمٍ لاَ تَجْهَلُكَ قُرَيْشٌ مِنْ بَعْدِي‌ فَيَقُولُونَ: إنَّ الحَسَنَ بْنَ علی لاَ يُحْسِنُ شَيئَاً.

 فقال‌ الحسن‌ عليه‌ السلام‌: يا أبتِ كيف‌ أصعد وأنت‌ في‌ الناس‌ تسمع‌ وتري‌؟ قال‌ له‌: بأبي‌ وأُمّي‌ أُواري‌ نفسي‌ عنك‌ وأسمع‌ وأري‌ وأنت‌ لاتراني‌.

 فصعد الإمام‌ الحسن‌ عليه‌ السلام‌ المنبر فحمد الله‌ بمحامد بليغة‌ شريفة‌، وصلّي‌ علی النبي‌ّ صلّي‌ الله‌ عليه‌ وآله‌ صلاة‌ موجزة‌، ثمّ قال‌: أَيُّهَا النَّاسُ! سَمِعْتُ جَدِّي‌ رَسُولَ اللَهِ صَلَّي‌ اللَهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ يَقُولُ: أَنَا مَدِينَةُ العِلْمِ وَعَلِي‌ٌّ بَابُهَا، وَهَلْ تُدْخَلُ المَدِينَةُ إلاَّ مِنْ بَابِهَا!

 قال‌ هذا، ثمّ نزل‌ فوثب‌ إليه‌ علی عليه‌ السلام‌ فحمله‌ وضمّه‌ إلی صدره‌. ثمّ قال‌ للحسين‌ عليه‌ السلام‌: يا نور عيني‌! اصعد المنبر وتكلّم‌ بكلام‌ لا تجهلك‌ قريش‌ من‌ بعدي‌ فيقولون‌: إنّ الحسين‌ بن‌ علی لايبصر شيئاً، وليكن‌ كلامك‌ تبعاً لكلام‌ أخيك‌.

 فصعد الإمام‌ الحسين‌ عليه‌ السلام‌ المنبر فحمد الله‌ وأثني‌ عليه‌، وصلّي‌ علی نبيّه‌ صلّي‌ الله‌ عليه‌ وآله‌ صلاة‌ موجزة‌، ثمّ قال‌: مَعَاشِرَ النَّاسِ! سَمِعْتُ جَدِّي‌ رَسُولَ اللَهِ صَلَّي‌ اللَهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَهُوَ يَقُولُ: إنَّ عَلِيَّاً هُوَ مَدِيَنةُ هُدَيً، فَمَنْ دَخَلَهَا نَجَا، وَمَنْ تَخَلَّفَ عَنْهَا هَلَكَ.

 فوثب‌ إليه‌ علی عليه‌ السلام‌، فضمّه‌ إلی صدره‌ وقبّله‌، ثمّ قال‌: مَعَاشِرَ النَّاسِ! اشْهَدُوا أَ نَّهُمَا فَرْخَا رَسُولِ اللَهِ صَلَّي‌ اللَهُ عَلَيهِ وَآلِهِ وَوَدِيعَتُهُ الَّتِي‌ اسْتَوْدَعَنِيهَا وَأَنَا أَسْتَوْدِعُكُمُوهَا مَعَاشِرَ النَّاسِ، وَرَسُولُ اللَهِ صَلَّي‌ اللَهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ سَائِلُكُمْ عَنْهُمَا. [36]

تتمة النص

الصفحة الاولي للموقع فهرس الكتب الفهرس الموضوعي الفحص

ارجاعات


[1] ـ يستفاد هنا أنّ تفسير الإمام‌ عليه‌ السلام‌ كان‌ متزامناً مع‌ صوت‌ الناقوس‌. وطفق‌ يفسّره‌ منذ بدأ صوته‌، وختم‌ تفسيره‌ بانقطاعه‌.

[2] ـ ذكر ابن‌ شهرآشوب‌ في‌ الطبعة‌ الحجريّة‌ من‌ مناقبه‌، ج‌ 1، ص‌ 426 قصّة‌ إسلام‌ الاُسقُف‌ النصراني‌ّ علی أثر تفسير الناقوس‌ بطريق‌ آخر. وقال‌: روي‌ زيد وصعصعة‌ ابنا صوحان‌، والبراءبن‌ سبرة‌، والاصبغ‌ بن‌ نباته‌، وجابر بن‌ شرحبيل‌، ومحمود بن‌ الكوّاء أ نّه‌ذُكر بدَير الديلم‌ من‌ أرض‌ فارس‌ لاُسقُف‌ قد أتت‌ عليه‌ عشرون‌ ومائة‌ سنة‌ أنّ رجلاً قد فسّر الناقوس‌، يعنون‌ عليّاً عليه‌ السلام‌. فقال‌: سيروا بي‌ إليه‌ فإنّي‌ أجده‌ أنزعَ بطيناً (من‌ انحسر الشعر عن‌ رأسه‌ ونَتَأَت‌ بطنُه‌) فلمّا وافي‌ أمير المؤمنين‌ عليه‌ السلام‌، قال‌: قد عرفتُ صفته‌ في‌ الإنجيل‌، وأنا أشـهد أ نّه‌ وصي‌ّ ابن‌ عمّه‌، فقال‌ له‌ الإمام‌: جئتَ لتؤمن‌ أزيدك‌ رغبة‌ في‌ إيمانك‌. قال‌: نعم‌. قال‌ عليه‌ السلام‌: انزع‌ مدرعتك‌ (جبّة‌ من‌ الكتّان‌ كان‌ يلبسها الرهبان‌ الكبار) فَأَرِ أصحابك‌ الشامة‌ التي‌ بين‌ كتفيك‌. فقال‌ الاُسقُف‌: أَشْهَدُ أَنْ لاَ إلَهَ إلاَّ اللَهُ، وَأَنَّ مُحَمَّداً عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ. وشهق‌ شهقة‌ فمات‌. فقال‌ أمير المؤمنين‌ عليه‌ السلام‌: عَاشَ فِي‌ الإسْلاَمِ قَلِيلاَ، وَنَعِمَ فِي‌ جِوَارِ اللَهِ كَثِيراً.

[3] ـ الآية‌ 13، من‌ السورة‌ 49: الحجرات‌.

[4] ـ الآيات‌ 31 إلی 33، من‌ السورة‌ 50: ق‌: وَأُزْلِفَتِ الْجَنَّةُ لِّلْمُتَّقِينَ غَيْرَ بَعِيدٍ* هَـ'ذَا مَا تُوعَدُونَ لِكُلِّ أَوَّابٍ حَفِيظٍ * مَنْ خَشِيَ الرَّحْمَـ'نَ بِالْغَيْبِ وَجَاءَ بِقَلْبٍ مُّنِيبٍ.

[5] ـ النصف‌ الثاني‌ من‌ الآية‌ 28، من‌ السورة‌ 35: فاطر.

[6] ـ الآية‌ 35، من‌ السورة‌ 10: يونس‌.

[7] ـ قسم‌ من‌ الآية‌ 95، من‌ السورة‌ 5: المائدة‌.

[8] ـ «المناقب‌» لابن‌ شهرآشوب‌، ج‌ 1، ص‌ 266 و 267 من‌ الطبعة‌ الحجريّة‌؛ وج‌ 2، ص‌ 56 و 57 من‌ الطبعة‌ الحروفيّة‌ طبعة‌ المطبعة‌ العلميّة‌ـ قم‌.

[9] ـ الآية‌ 85، من‌ السورة‌ 17: الإسراء.

[10] ـ «تذكرة‌ الخواصّ» ص‌ 85 إلی 87. ونقلها العلاّمة‌ الامينيّ في‌ «الغدير» ج‌ 6، ص‌ 247 إلی 249 عن‌ «التذكرة‌» وعن‌ «زين‌ الفتي‌ في‌ شرح‌ سورة‌ هل‌ أتي‌» للحافظ‌ العاصمي‌ّ.

[11] ـ «ديوان‌ حبيب‌» ص‌ 234.

يقول‌: «في‌ هذا اليوم‌ الذي‌ هو يوم‌ الحرب‌ والقتال‌، ناولني‌ الخمر فإنّ كأسها محبوب‌ إلی قلبي‌.

 لقد ولّي‌ عهد الكأس‌ والكوز، ولات‌ وقتَهما، بل‌ الوقت‌ وقت‌ غدير خم‌.

 إنّ ظبيك‌ فتن‌ قلوب‌ الناس‌ جميعهم‌ بنظرة‌ واحدة‌، إنّه‌ صيّاد الاُسود حقّاً».

[12] ـ يقول‌: «إنّ جاذبيّة‌ عيون‌ الظبي‌ تفتن‌ كلّ شي‌ء حتّي‌ لو كان‌ أسد الدهر.

 وشمس‌ السماء أسيرة‌ يديها في‌ حلقة‌ تينك‌ الضفيرتين‌ السوداوين‌.

 احتس‌ الخمر فإنّ الفلك‌ العجوز اليوم‌ يحتسي‌ الخمر من‌ كأسه‌ أيضاً.

 نُصب‌ علی أميراً علی الناس‌ هذا اليوم‌ بأمر الله‌.

 واليوم‌ انكشف‌ للناس‌ السرّ المودع‌ في‌ الضمير.

 وإنّ مَلِكَ أقطار الجود علی السرير في‌ مُلك‌ الوجود.

 كلّما أنشدنا من‌ شعر في‌ مدحه‌، فإنّا لم‌ نَقُلْ نكتة‌ واحدة‌ من‌ مائِة‌».

[13] ـ الآيات‌ 47 إلی 49، من‌ السورة‌ 29: العنكبوت‌.

[14] ـ قال‌ المستشار عبد الحليم‌ الجنديّ في‌ كتاب‌ «الإمام‌ جعفر الصادق‌» ص‌ 288: يقول‌ الشافعي‌ّ عن‌ مكانة‌ علی في‌ علوم‌ الإسلام‌: كان‌ علی كرّم‌ الله‌ وجهه‌ قد خُصّ بعلم‌ القرآن‌ والفقه‌، لانّ النبي‌ّ صلّي‌ الله‌ عليه‌ وآله‌ دعا له‌. وأمره‌ أن‌ يقضي‌ بين‌ الناس‌. وكانت‌ قضاياه‌ ترفع‌ إلی النبي‌ّ صلّي‌ الله‌ عليه‌ وآله‌ فيُمضيها. ولقد إلی علی نفسه‌ بعد الفراغ‌ من‌ تجهيز رسول‌الله‌ صلّي‌الله‌ عليه‌ وآله‌ ألاّ يرتدي‌ إلاّ للصلاة‌، أو يجمع‌ القرآن‌ ـكما أسلفناـ فجمعه‌ مهتمّاً بأُمور أُصوليّة‌ في‌ الشريعة‌ وفقهها تتعلّق‌ بالمحكم‌ والمتشابه‌، أي‌: بما لايحتمل‌ الاجتهاد، وما يحتمله‌، وبالنصوص‌ التي‌ نُسخت‌ والتي‌ هي‌ واجبة‌ التطبيق‌، وبالمطلق‌ منها والذي‌ يحتمل‌ التخصيص‌، والعزائم‌ والرخص‌، وبالفروض‌ والمندوبات‌، وفيها المحرم‌ والمكروه‌، وما هو تهذيب‌ للاُ مّة‌ من‌ فضائل‌ وآداب‌.

 وقال‌ في‌ الهامـش‌: بهـذا كان‌ علی إمـام‌ المفسّـرين‌. قال‌ سـعيد بن‌ جُبير: قلتُ لابن‌عبّاس‌: ألِمَنْ قتل‌ مؤمناً متعمّداً توبة‌؟ قال‌: لا. فتلوتُ عليه‌ الآية‌ التي‌ في‌ «الفرقان‌». قال‌: هذه‌ مكّيّة‌، نسختها آية‌ مدنيّة‌: وَمَن‌ يَقْتُلُ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزَآؤهُ و جَهَنَّمَ خَالِدًا فِيهَا. ورووا أنّ ابن‌عبّاس‌ ناظر عليّاً في‌ الآية‌. فقال‌ علی: من‌ أين‌ لك‌ أ نّها محكمة‌؟ قال‌: تكاثف‌ الوعيد. قال‌ علي‌ّ: إنّ الله‌ نسخها بآيتين‌ آية‌ قبلها وآية‌ بعدها في‌ النظم‌. الاُولي‌: قوله‌ تعالي‌: إِنَّ اللَهَ لاَيَغْفِرُ أَن‌ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَ ' لِكَ لِمَن‌ يَشَآءُ وَمَن‌ يُشْرِكْ بِاللَهِ فَقَدِ افْتَرَي‌'´ إِثْمًا عَظِيمًا. وأمّا التي‌ بعدها في‌ النظم‌، فهي‌ قوله‌ تعالي‌: إِنَّ اللَهَ لاَيَغْفِر أَن‌ يُشْرَكْ بِهِ وَمَن‌ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلاَلاً مُّبِينًا. والمفسّرون‌ يضيفون‌ إلی الآيات‌ قوله‌ تعالي‌: وَالَّذِينَ لاَيَدْعُونَ مَعَ اللَهِ إلَـ'هًا ءَاخَرَ وَلاَ يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي‌ حَرَّمَ اللَهُ إِلاَّ بِالْحَقِّـ إلی قوله‌ تعالي‌: وَيَخْلدُ فِيهِ مُهَانًا. ثمّ استثني‌ بقوله‌: إِلاَّ مَن‌ تَابَ وَءَامَنَ وَعَمِلَ صَالحًا. ] هنا [ لكم‌ صدق‌ ابن‌عبّاس‌ عندما سئل‌ عن‌ علمه‌ وعلم‌ ابن‌ عمّه‌ (علي‌ّ) فقال‌: كالقطرة‌ إلی جوار البحر المحيط‌.

[15] ـ وعاء كالقُفّة‌ أو الجوالق‌.

[16] ـ قوله‌: لو ثُنِيَتْ لِي‌َ الوِسَادَةُ كناية‌ عن‌ تولّي‌ شؤون‌ الحكومة‌ والإمامة‌. لانّ الوسادة‌ هي‌ ما يُتّكأ عليها. وكانت‌ تُثني‌ ـ عادةً ـ من‌ وسطها للحكّام‌ والاَمراء وتوضع‌ لهم‌ لكي‌ يكون‌ مسندهم‌ أفضل‌. وثني‌ الوسادة‌ عطفها وطويها. فلهذا أراد الإمام‌ من‌ هذه‌ العبارة‌ أن‌ يقول‌: أنا الآن‌ لستُ متصدّراً للحكم‌، ولو أُجلست‌ في‌ مسنده‌، أي‌ يسلّم‌ الناس‌ لامري‌، ويكون‌ مسندي‌ في‌ الحكم‌ وطيداً، فإنّي‌ أحكم‌ بين‌ أهل‌ كلّ كتاب‌ بكتابهم‌. ويبيّن‌ الإمام‌ هنا سعة‌ علمه‌ وتمكّنه‌ منه‌ بدرجة‌ عالية‌ رفيعة‌ لا تعلوها درجة‌، ولا يُتَصَوَّرُ حدٌّ أعلي‌ منها.

[17] ـ عدد هذه‌ الابيات‌ خمسة‌. وهي‌ في‌ «ديوان‌ الحميريّ» ص‌ 128. أُخرجت‌ من‌ «أعيان‌ الشيعة‌»، و«مناقب‌ آل‌ أبي‌ طالب‌». والبيتان‌ الاوّل‌ والثاني‌ منها هما:

مُـحَـمَّـدٌ خَـيْـرُ بَـنِـي‌ غَـالِـبِ                     وَبَـعْــدَهُ ابْــنِ أَبِــي‌ طَـالِـبِ

هَـــذَا نَـبِـــي‌ٌّ وَوَصِـــي‌ٌّ لَــهُ                    وَيُـعْـزَلُ الـعَـالَـمُ فِـي‌ جَـانِـبِ

 ثمّ ذكر الابيات‌ الثلاثة‌ التي‌ نقلناها عن‌ «مناقب‌ آل‌ أبي‌ طالب‌» لابن‌ شهرآشوب‌ بالالفاظ‌ نفسها ما عدا البيت‌ الاوّل‌، إذ أوردناه‌: «معجب‌ حاجب‌» بالحاء نقلاً عن‌ «مناقب‌...» وجاء في‌ «ديوان‌ الحميري‌ّ»: «معجب‌ عاجب‌» بالعين‌ المهملة‌، أي‌: إنّ الاحاديث‌ الالف‌ كلّها عجيبة‌ وتثير الإعجاب‌.

[18] ـ هذان‌ البيتان‌ ضمن‌ أبيات‌ مجموعها اثنا عشر بيتاً، أُخرجت‌ في‌ «ديوان‌ الحميري‌ّ» ص‌ 178 و 179، من‌ «أعيان‌ الشيعة‌». و أوّلها:

وارث‌ السـيف‌ والعمامـة‌ والـر                                ا يـة‌ مـطـويّــة‌ وذات‌ القـيــود

[19] ـ هذه‌ الابيات‌ الاربعة‌ في‌ «ديوان‌ الحميريّ» ص‌ 460، أُخرجت‌ من‌ «أعيان‌ الشيعة‌» و«مناقب‌ آل‌ أبي‌ طالب‌».

[20] ـ من‌ هنا انطلق‌ الشاعر الشيعيّ الناشي‌ الاكبر شاعر أهل‌ البيت‌ في‌ أشعاره‌، فوصف‌ المنزلة‌ العلميّة‌ لاميرالمؤمنين‌ عليه‌ السلام‌ بنحولم‌ يطقه‌ الناس‌، وكانوا يخشونه‌. قال‌:

بِآلِ محـمّـدٍ عُـرف‌ الـصـوابُ                    وفـي‌ أبيـاتـهـم‌ نـزل‌ الكتـابُ

وهـم‌ حجج‌ الإله‌ علی البـرايا                                 بهـم‌ وبجـدّهـم‌ لا يُـسـتـرابُ

طعامُ سـيوفهـم‌ مُهـج‌ الاعادي‌                               وفيـضُ دمِ الرقـاب‌ لها شـرابُ

ولا سـيّـمـا أبا حـسـنٍ علـيّـاً                   لـه‌ فـي‌ العـلـم‌ مـرتبـة‌ تُـهـابُ

إذا نـادت‌ صـوارمُـهُ نـفـوسـاً                   فليـس‌ لهـا سـوي‌ نعمٍ جـوابُ

وبين‌ سنانه‌ والدرع‌ صُلحٌ                        وبين‌ البيض‌ والبيض‌ اصطحابُ

هو النبأ العظيم‌ وفلك‌ نوح‌                      وباب‌ الله‌ وانقطع‌ الخطابُ

 بحث‌ صاحب‌ «نامة‌ دانشوران‌ ناصري‌» (= كتاب‌ الحكماء الناصري‌) ج‌ 5، ص‌ 405 إلی 407 حول‌ مُنشد هذه‌ الابيات‌، وقال‌: نسبها المحدّث‌ النيسابوريّ إلی العارف‌ المشهور ابن‌الفارض‌ المصري‌ّ، وعدّها دليلاً صريحاً علی تشيّعه‌. وذهب‌ سبهر القاسانيّ في‌ «ناسخ‌ التواريخ‌»، وكذلك‌ صاحب‌ «كفاية‌ الخصام‌» ـوكتابه‌ ترجمة‌ لكتاب‌ «غاية‌ المرام‌»ـ إلی أ نّها لعمروبن‌ العاص‌، حتّي‌ قال‌ صاحب‌ «كفاية‌ الخصام‌»: نصّ الإمام‌ الفخر الرازيّ علی ذلك‌ في‌ تفسيره‌، وذكرها أيضاً بعض‌ المحدّثين‌ كمهذّب‌ الدين‌ أحمد بن‌ رضا في‌ «تحفة‌ الذخائر» إذ أوردها في‌ جملة‌ القصائد التي‌ أُنشدت‌ في‌ يوم‌ غدير خم‌، ونسبها إلی عمروبن‌ العاص‌. وعندما نقل‌ سبهر هذه‌ الابيات‌ عن‌ عمرو بن‌ العاص‌ في‌ ذيل‌ يوم‌ الغدير، أضاف‌ إليها البيتين‌ الآتيين‌ قبل‌ البيت‌ الاخير:

علي‌ّ الدُّرُّ والذهب‌ المصفّي                  ‌                وباقي‌ الناس‌ كلّهم‌ ترابُ

هو البكّاء في‌ المحراب‌ ليلاً                    هو الضحّاك‌ إذا اشتدّ الضرابُ

أحوال‌ الشاعر الشيعي‌ّ الناشي‌ الاكبر

 ثمّ قال‌: ويستفاد من‌ ترجمة‌ الشاعر الشيعيّ عليّ بن‌ عبد الله‌ ـ الذي‌ يقال‌ له‌: الناشي‌ الاكبرـ أ نّها له‌. قال‌ الناشي‌: كنتُ أُملي‌ شعري‌ في‌ جامع‌ الكوفة‌ سنة‌ ثلاثمائة‌ وخمس‌ وعشرين‌ من‌ الهجرة‌، والناس‌ يكتبون‌. وكان‌ أبو الطيّب‌ المتنبّي‌ّ حاضراً، وهو لم‌يشتهر يومئذٍ ولم‌يعرف‌ بلقب‌ المتنبّي‌ّ. وكنتُ ذات‌ يوم‌ أُملي‌ القصيدة‌ التي‌ مطلعها:

بآل‌ محمّد عُرفَ الصوابُ                                         وفي‌ أبياتهم‌ نزل‌ الكتابُ

 ولمّا بلغتُ البيتين‌ الآتيين‌ وهما في‌ مدح‌ أمير المؤمنين‌ عليه‌ السلام‌:

كأنّ ســنـان‌ ذابلـه‌ ضـمـيـرٌ                     فليـس‌ عـن‌ القلـوب‌ له‌ ذهـابُ

وصـارمـه‌ كـبـيـعـتــه‌ بـخُـمٍّ                      مـعـاقـده‌ مـن‌ القـوم‌ الرقـابُ

 الرجوع الي الفهرس

 رأيتُ أبا الطيّب‌ المتنبّيّ قد كتبهما معاً واحتفظ‌ بهما، ليأتي‌ بمضمونهما في‌ أشعاره‌ فيما بعد. أجَل‌، إنّ مؤلّف‌ «نامة‌ دانشوران‌» يري‌ انتساب‌ هذه‌ الابيات‌ إلی الناشي‌ الاكبر أقرب‌ من‌ انتسابها إلی غيره‌ لجهاتٍ ذكرها. إذ إنّ أُسلوبها وسياقها ومضمونها ونظمها كلّ ذلك‌ لاينسجم‌ مع‌ أُسلوب‌ الصدر الاوّل‌، ولا مع‌ أُسلوب‌ شرف‌ الدين‌ عمربن‌ الفارض‌.

[21] ـ في‌ «أقرب‌ الموارد»: نَزَّ الاَرْضُ نَزَّاً وَنَزِيزَاً من‌ باب‌ ضرب‌: تَحَلَّبِ مِنْها النَّزُّ. وفي‌ «المصباح‌»: نَزَّتِ الاَرْضُ نَزَّاً من‌ باب‌ ضرب‌: كَثُرَ نَزُّهَا. والنَّزُّ ـبالفتح‌ والكسر، وهو أجودـ: ما يتحلّب‌ من‌ الماء فارسي‌ّ معرّب‌. وفي‌ «المصباح‌»: تسمية‌ بالمصدر، ومنهم‌ من‌ يكسر النون‌، ويجعله‌ اسماً، وهو النَّدَي‌ السائل‌.

[22] ـ أخرجها محبّ الدين‌ الطبريّ في‌ «ذخائر العقبي‌» ص‌ 83 عن‌ أحمد في‌ مناقبه‌، والبغويّ في‌ معجمه‌، وعن‌ أبي‌ عمر.

[23] ـ قسم‌ من‌ الآية‌ 89، من‌ السورة‌ 16: النحل‌: وَيَوْمَ نَبْعَثُ فِي‌ كُلِّ أُمَّةٍ شَهِيدًا عَلَيْهِمْ مِّن‌ أَنفُسِهِمْ وَجِئْنَا بِكَ شَهِيدًا عَلَي‌' هَـ'´ؤلآءِ وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَـ'بَ تِبْيَـ'نًا لِكُلِّ شَيْءٍ وَهُدًي‌ وَرَحْمَةً وَبُشْرَي‌' لِلْمُسْلِمِينَ.

[24] ـ نصف‌ الآية‌ 12، من‌ السورة‌ 36: يس‌: إِنَّا نَحْنُ نُحْيِ الْمَوْتَي‌' وَنَكْتُبُ مَا قَدَّمُوا وَءَاثَـ'رَهُمْ وَكُلَّ شَيْءٍ أَحْصَيْنَـ'هُ فِي‌´ إِمَامٍ مُّبِينٍ.

[25] ـ بعض‌ من‌ الآية‌ 59، من‌ السورة‌ 6: الانعام‌: وَعِندَهُ و مَفَاتِحُ الْغَيْبِ لاَ يَعْلَمُهَآ إِلاَّ هُوَ وَيَعْلَمُ مَا فِي‌ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَمَا تَسْقُطُ مِن‌ وَرَقَةٍ إِلاَّ يَعْلَمُهَا وَلاَحَبَّةٍ فِي‌ ظُلُمَـ'تِ الاْرْضِ وَلاَرَطْبٍ وَلاَيَابِسٍ إِلاَّ فِي‌ كِتَـ'بٍ مُّبِينٍ.

[26] ـ بعض‌ من‌ الآية‌ 7، من‌ السورة‌ 3: آل‌ عمران‌: هُوَ الَّذِي‌´ أَنزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَـ'بَ مِنْهُ ءَايَـ'تٌ مُّحْكَمَـ'تٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَـ'بِ وَأُخَرُ مُتَشَـ'بِهَـ'تٌ فَأَمَّا الَّذِينَ فِي‌ قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَـ'بَهَ مِنْهُ ابْتِغَآءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَآءَ تَأْوِيلِهِ وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ و´ إِلاَّ اللَهُ وَالرَّ ' سِخُونَ فِي‌ الْعِلْمِ يَقُولُونَ ءَامَنَّا بِهِ كُلٌّ مِّنْ عِندِ رَبِّنَا وَمَا يَذَّكَّرُ إِلآ أُوْلُوا الاْلْبَـ'بِ.

[27] ـ «المناقب‌» لابن‌ شهرآشوب‌، ج‌ 1، ص‌ 263 إلی 266، الطبعة‌ الحجريّة‌.

[28] ـ قسم‌ من‌ الآية‌ 28، من‌ السورة‌ 35: فاطر: وَمِنَ النَّاسِ وَالدَّوَآبِّ وَالاَنْعَـ'مِ مُخْتَلِفٌ أَلْوَ ' نَهُ و وَكَذَ ' لِكَ إِنَّمَا يَخْشَي‌ اللَهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَـ'´ؤُا إِنَّ اللَهَ عَزِيزٌ غَفُورٌ.

[29] ـ «المناقب‌» ج‌ 1، ص‌ 258، الطبعة‌ الحجريّة‌.

[30] ـ «المناقب‌» ج‌ 1، ص‌ 264.

[31] ـ روي‌ الحمّوئيّ هذه‌ الخطبة‌ إلی هنا في‌ «فرائد السمطين‌» ج‌ 1، ص‌ 340 و 341 بسنده‌ المتّصل‌ عن‌ أبي‌ البختريّ تحت‌ الرقم‌ 263، وعبارتها الاخيرة‌ هي‌ قوله‌: وَ أَنْتُمْ تَتْلُونَ الْكِتَـ'بَ أَفَلاَتَعْقِلُونَ ] قوله‌ تعالي‌ [ وَيَتْلُوهُ شَاهِدٌ مِّنْهُ. ورواها الخوارزميّ في‌ مناقبه‌، ص‌ 47، في‌ باب‌ غـزارة‌ علمه‌، طبعة‌ النجف‌، بسـنده‌ المتّصـل‌ عن‌ أبي‌ البختـريّ أيضـاً، إلی قوله‌: أَفَلاَتَعْقِلُونَ.

[32] ـ الآية‌ 39، من‌ السورة‌ 13: الرعد.

[33] ـ يريد الإمام‌ عليه‌ السلام‌ من‌ هذه‌ العبارات‌ نفي‌ الصفات‌ عن‌ الذات‌ الاحديّة‌ تعالي‌ وتقدّس‌. ومعني‌ ذلك‌ أنّ كلّ صفة‌ لها حدٌّ ومفهوم‌ معيّن‌ تتميّز بهما عن‌ سائر الصفات‌. فالعلم‌ غيرالقدرة‌، والقدرة‌ غير الحياة‌. وهذه‌ الغيريّة‌ ناتجة‌ عن‌ مفهوم‌ هذه‌ الاشياء، وهذا المفهوم‌ محدود. ولمّا لم‌ يجد الحدّ طريقه‌ إلی الذات‌ الاحديّة‌ المقدّسة‌ فلهذا فإنّ ما كان‌ في‌ الذات‌ متّحداً بها هو حقيقة‌ العلم‌ والقدرة‌ والحياة‌ بدون‌ عنوانها. والعناوين‌ محدودة‌ وفي‌ مرتبة‌ أوطأ من‌ الذات‌. وعلي‌ هذا الاساس‌، قال‌ الإمام‌: «الله‌ لطيف‌ اللطافة‌ ولا يوصف‌ باللطف‌»، أي‌: أنّ اللطافة‌ صفة‌، ويمكن‌ أن‌ يقال‌ للشي‌ء: لطيف‌ في‌ مقابل‌ غيراللطيف‌، «والله‌ لطيف‌ اللطافة‌»، أي‌: بالنسبة‌ إلی مفهوم‌ اللطافة‌ لطيف‌ بنحو مطلق‌، أي‌: أعلي‌ من‌ مفهوم‌ اللطيف‌، وبالسنبة‌ إلی مصاديقها لطيف‌، أي‌: موجدها. وفي‌ ضوء ذلك‌، لن‌ يوصف‌ باللطافة‌ بحدود مفهوم‌ اللطافة‌ وقيودها. وهكذا بالنسبة‌ إلی سائر الصفات‌. مثلاً، العظمة‌ صفة‌، ويقال‌ للشي‌ء: عظيم‌ إذا كان‌ في‌ مقابله‌ شي‌ء صغير، أمّا الله‌، فهو غير عظيم‌ بالنسبة‌ إلی شي‌ء صغير، بل‌ هو عظيم‌ بالنسبة‌ إلی مفهوم‌ العظمة‌، أي‌: أعلي‌ من‌ مفهوم‌ العظمة‌ ووصفها. فهو عظيم‌ العظمة‌، ولاينبغي‌ أن‌ تطلق‌ عليه‌ صفة‌ العظيم‌. وفي‌ مصاديق‌ العظمة‌، الله‌ موجد جميع‌ المصاديق‌، فهو خالق‌ العظمة‌ وفاطرها. وبصورة‌ عامّة‌ نلاحظ‌ في‌ كافّة‌ أسماء ذات‌ الحقّ تعالي‌ وصفاته‌ أنّ مفاهيمها محدودة‌، ومصاديقها محدودة‌ أيضاً. ونظراً إلی وجود الحدّ، فليس‌لها حقّ العينيّة‌ مع‌ ذات‌ الحقّ. وهذا هو معني‌ كلام‌ الإمام‌ في‌ الخطبة‌ الاُولي‌ من‌ خطب‌ «نهج‌ البلاغة‌» إذ قال‌: وَكَمَالُ الإخلاص‌ نَفيُ الصفات‌ عنه‌، لشهادة‌ كلّ صفة‌ أ نّها غيرالموصوف‌، وشهادة‌ كلّ موصوف‌ أ نّه‌ غير الصفة‌.

[34] ـ الآية‌ الاُولي‌ من‌ السورة‌ 4: النساء هي‌ قوله‌ تعالي‌: يَـ'´أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ الَّذِي‌ خَلَقَكُمْ مِّن‌ نَّفسٍ وَ ' حِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالاً كَثِيرًا وَنِسَآءً وَاتَّقُوا اللَهَ الَّذِي‌ تَسَآءَلُونَ بِهِ وَالاْرْحَامَ إِنَّ اللَهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا. تنصّ هذه‌ الآية‌ علی أنّ النسل‌ الإنساني‌ّ ينتهي‌ إلی آدم‌ وحوّاء. ويلزم‌ ذلك‌ أنّ أولادهما تزوّجوا بناتهما، ولا يستدعي‌ ذلك‌ محذوراً، لانّ قبح‌ نكاح‌ المحارم‌ ليس‌ من‌ المستقلاّت‌ العقليّة‌، بل‌ من‌ الاُمور الاعتباريّة‌ التي‌ كانت‌ حلالاً يومئذٍ ثمّ حُرّمت‌. ووردت‌ روايات‌ في‌ هذا المجال‌، منها ما جاء في‌ «الاحتجاج‌» عن‌ الإمام‌ السجّاد عليه‌ السلام‌ في‌ حديث‌ له‌ مع‌ قرشي‌ّ يصف‌ فيه‌ تزويج‌ هابيل‌ بلوزا أُخت‌ قابيل‌، وكانا توأمين‌، وتزويج‌ قابيل‌ باقليما أُخت‌ هابيل‌، وكان‌ توأمين‌ أيضاً. فقال‌ له‌ القرشي‌ّ: فأولداهما؟ قال‌ الإمام‌: نعم‌. فقال‌ له‌ القرشي‌ّ: فهذا فعل‌ المجوس‌ اليوم‌. فقال‌: إنّ المجوس‌ فعلوا ذلك‌ بعد التحريم‌ من‌ الله‌. ثمّ قال‌ له‌: لا تنكر هذا إنّما هي‌ شرائع‌ الله‌ جرت‌. أليس‌ الله‌ قد خلق‌ آدم‌ وخلق‌ زوجته‌ منه‌، ثمّ أحلّها له‌؟ فكان‌ ذلك‌ شريعة‌ من‌ شرائعهم‌ في‌ الحلّيّة‌، ثمّ أنزل‌ الله‌ التحريم‌ بعد ذلك‌.

 هذا الحديث‌ يوافق‌ ظاهر القرآن‌ والاعتبار، لا نّنا إذا قدّمنا روايات‌ أُخري‌، فإنّ الروايات‌ المعارضة‌ لها التي‌ تدلّ علی أنّ الله‌ أنزل‌ لهابيل‌ حوريّة‌ من‌ الجنّة‌، وزوّج‌ قابيل‌ بامرأة‌ من‌ الجنّ، يلزمها أنّ بني‌ آدم‌ ليسوا من‌ أولاد آدم‌، بل‌ من‌ أولاد آدم‌ والملائكة‌ والجنّ، وينتهي‌ نسب‌ الإنسان‌ بهؤلاء الثلاثة‌، لا بآدم‌ وحوّاء. ومن‌ الثابت‌ أنّ هذا القول‌ غيرصحيح‌ وأنّ جميع‌ بني‌ آدم‌ ينتهي‌ نسبهم‌ إلی آدم‌، وهم‌ بنو آدم‌ لا بنو الجنّ والحُور. ناهيك‌ عن‌ أنّ هذه‌ الروايات‌ ضعيفة‌ السند. ويضاف‌ إلی ذلك‌ أ نّها مخالفة‌ لظاهر الكتاب‌ كما رأينا. فلهذا هي‌ مرفوضة‌ بناءً علی قاعدة‌ العرض‌ علی كتاب‌ الله‌. هذا هو مجمل‌ الموضوع‌ الذي‌ ذُكر هنا، وورد تفصيله‌ في‌ تفسير سماحة‌ الاُستاذ العلاّمة‌ روحي‌ فداه‌: «الميزان‌ في‌ تفسير القرآن‌» ج‌ 4، ص‌ 143 إلی 160.

 وأمّا ما قاله‌ أمير المؤمنين‌ عليه‌ السلام‌ في‌ الرواية‌ التي‌ تعنينا، في‌ جواب‌ الاشعث‌بن‌ قيس‌، فإنّه‌ يدلّ علی أنّ ذلك‌ الملك‌ قد غالط‌، وخلط‌ الحكم‌ العقليّ بالحكم‌ الاعتباري‌ّ الشرعي‌ّ، وفي‌ ضوء تزاوج‌ بنات‌ آدم‌ وأبنائه‌، أهمل‌ الحكم‌ الوارد في‌ شريعته‌ والقاضي‌ بحرمة‌ نكاح‌ البنت‌، ونَسَخَهُ، وأغفل‌ الناس‌، وروّج‌ نكاح‌ المحارم‌. إذَنْ لم‌يكن‌ عند المجوس‌نكاح‌ المحارم‌ في‌ أصل‌ الشريعة‌، وكانت‌ شريعتهم‌ من‌ الله‌. فلهذا عليهم‌ أن‌ يدفعوا الجزية‌ والخراج‌ كاليهود والنصاري‌. ولم‌ يعدّ عمر المجوس‌ من‌ أهل‌ الكتاب‌، وكان‌ يتعامل‌ معهم‌ كمشركين‌. بَيدَ أنّ أمير المؤمنين‌ عليه‌ السلام‌ كان‌ يري‌ أ نّهم‌ من‌ أهل‌ الكتاب‌، ولم‌يطبّق‌ عليهم‌ أحكام‌ الشرك‌. وعَزَّ هذا الامر علی الاشعث‌ بن‌ قيس‌، الذي‌ كان‌ من‌ المنافقين‌ ومن‌ أعداء الإمام‌، فاعترض‌ عليه‌.

[35] ـ روي‌ الشيخ‌ الطبرسي‌ّ هذه‌ الرواية‌ إلی قوله‌ عليه‌ السلام‌: «هذا أخي‌ الخضر عليه‌ السلام‌» فقط‌، وذلك‌ في‌ «الاحتجاج‌» ج‌ 1،ص‌ 384 و 385، طبعة‌ النجف‌، عن‌ الاصبغ‌بن‌ نباتة‌ بدون‌ ذكر السند، ولم‌ يذكر الاشعث‌ بن‌ قيس‌ في‌ ذلك‌ السؤال‌، ولكن‌ ورد فيها سؤال‌ ذِعلب‌ بعنوان‌: فقام‌ إليه‌ رجل‌ فقال‌: يا أمير المؤمنين‌! هل‌ رأيتَ ربّك‌؟ ولكنّه‌ لايذكر متن‌ الجواب‌، ويقول‌: أجابه‌ الإمام‌ عليه‌ السلام‌ بما تقدّم‌ ذكرنا إيّاه‌. وهذا إشارة‌ إلی ما ذكره‌ في‌ ص‌ 312: روي‌ أهل‌ السِّيَرِ أنّ رجلاً جاء إلی أمير المؤمنين‌ عليه‌ السلام‌ فقال‌: خبّرني‌ عن‌ الله‌ أرايَته‌ حين‌ عبدته‌؟ فقال‌ عليه‌ السلام‌: لم‌ أك‌ بالذي‌ أعبد من‌ لم‌ أره‌. فقال‌ الرجل‌: كيف‌ رأيته‌ يا أميرالمؤمينن‌؟ فقال‌: ويلك‌! لم‌ تره‌ العيون‌ بمشاهدة‌ العيان‌، ولكن‌ رأته‌ العقول‌ بحقائق‌ الإيمان‌، معروف‌ بالدلالات‌، منعوت‌ بالعلامات‌، لا يقاس‌ بالناس‌، ولايُدرَك‌ بالحواسّ. فرجع‌ الرجل‌ وهو يقول‌ مع‌ نفسه‌: الله‌ أعلم‌ حيث‌ يجعل‌ رسالته‌.

[36] ـ «التوحيد» للشيخ‌ الصدوق‌، ص‌ 304، إلی 308، طبعة‌ مكتبة‌ الصدوق‌، سنة‌ 1398 ه‌، الحديث‌ الاوّل‌ من‌ الباب‌ 43؛ ورواها الصدوق‌ أيضاً في‌ «الامالي‌» ص‌ 205 إلی 208 بثلاثة‌ أسناد عن‌ أحمد بن‌ الحسن‌ القطّان‌، وعن‌ علی بن‌ أحمد بن‌ موسي‌ الدقّاق‌، وعن‌ محمّد بن‌ أحمد السنانيّ، وهؤلاء الثلاثة‌ عن‌ أبي‌ العبّاس‌ أحمد بن‌ يحيي‌بن‌ زكريّا القطّان‌، عن‌ محمّد بن‌ العبّاس‌، عن‌ محمّد بن‌ أبي‌ السري‌ّ، عن‌ أحمد بن‌ عبدالله‌بن‌ يونس‌، عن‌ سعدبن‌ طريف‌ الكناني‌ّ، عن‌ الاصبغ‌ بن‌ نُباتة‌ (المجلس‌ الخامس‌ والخمسون‌، يوم‌ الجمعة‌ الرابع‌ من‌ ربيع‌ الآخر، سنة‌ ثلاثمائة‌ وثماني‌ وستّين‌)، وذكر ذيلها المتعلّق‌ بالحسنين‌عليهما السلام‌ وصعودهما المنبر. ورواها السيّد هاشم‌ البحراني‌ّ في‌ «غاية‌ المرام‌» القسم‌ الثاني‌، ص‌ 521، الحديث‌ الاوّل‌ عن‌ الخاصّة‌، عن‌ ابن‌ بابويه‌ في‌ «الامالي‌» بالاسناد الثلاثة‌ المذكورة‌. ولمّا كان‌ الكلام‌ يدور حول‌ الحديث‌ النبوي‌ّ الشريف‌: أَنَا مَدينةُ العِلْمِ وَعلي‌ٌّ بَابُهَا، لذلك‌ قطّع‌ الرواية‌ المشار إليها، ولكنّه‌ رواها تامّة‌ في‌ ص‌ 524 و 525، الحديث‌ الاوّل‌ عن‌ الخاصّة‌، إذ كان‌ الكلام‌ يدور حول‌ الحديث‌: سَلُوني‌....

 أقول‌: إنّ ما يبدو لي‌ هو أنّ صدر هذه‌ الرواية‌، المتعلّق‌ بخطبة‌ أمير المؤمنين‌ عليه‌ السلام‌، وذيلها المرتبط‌ بأمره‌ الحسنين‌ عليهما السلام‌ بصعود المنبر روايتان‌ منفصلتان‌، وقد دمجهما أحد الرواة‌ وجعل‌ منها رواية‌ واحدة‌ سهواً. والدليل‌ علی ذلك‌ أنّ صدر الرواية‌ صريح‌ بأنّ الإمام‌ عليه‌ السلام‌ خطب‌ خطبته‌ المذكورة‌ عندما بويع‌ بالخلافة‌، وكان‌ ذلك‌ في‌ سنة‌ خمس‌ وثلاثين‌ للهجرة‌، والإمام‌ الحسن‌ عليه‌ السلام‌ يومئذٍ ابن‌ ثلاث‌ وثلاثين‌ سنة‌، والإمام‌ الحسين‌ عليه‌ السلام‌ ابن‌ اثنتين‌ وثلاثين‌ سنة‌. وأنّ العبارة‌ الواردة‌ في‌ ذيل‌ الرواية‌ ـإذ أمرهما الإمام‌ عليه‌ السلام‌ بالتكلّم‌ لئلاّ تجهلهما قريش‌ بعده‌ـ غيرمناسبة‌، ذلك‌ أنّ قريش‌ عرفتهما كما ينبغي‌ خلال‌ بضع‌ وثلاثين‌ سنة‌. ثانياً: أنّ قول‌ الإمام‌ عليه‌ السلام‌ للحسن‌ عليه‌ السلام‌: «أُواري‌ نفسي‌ عنك‌ وأسمع‌ وأري‌ وأنت‌ لا تراني‌» لا يليق‌ بشأن‌ رجل‌ عظيم‌ مثله‌، بل‌ يليق‌ برجل‌ يرغّب‌ طفلاً له‌ في‌ الخطبة‌. ثالثاً: أنّ الكلمتين‌ الموجزتين‌ للحسنين‌ عليهما السلام‌ ـوفي‌ كلّ منهما حديث‌ نبوي‌ّ قصيرـ دليل‌ آخر علی ما نقول‌. رابعاً: جاء في‌ الرواية‌ أنّ الإمام‌ الحسن‌ عليه‌ السلام‌ لمّا نزل‌ من‌ المنبر حَمَلَهُ (الإمام‌ أميرالمؤمنين‌ عليه‌ السلام‌) وَضَمَّهُ إلی صَدْرِهِ، وهذا صريح‌ بأ نّه‌ فعل‌ ذلك‌ مع‌ طفل‌ صغير. وعلي‌ هذا ينبغي‌ أن‌ نقول‌: إنّ ذيل‌ الرواية‌ يُشعر أنّ خطبة‌ أمير المؤمنين‌ عليه‌ السلام‌ كانت‌ بعد وفاة‌ رسول‌الله‌ صلّي‌الله‌ عليه‌ وآله‌، وانتقال‌ الإمامة‌ إليه‌، وكان‌ للحسن‌ عليه‌ السلام‌ يومئذٍ ثماني‌ سنين‌ وللحسين‌ عليه‌ السلام‌ سبع‌ سنين‌. ولمّا خطب‌ أمير المؤمنين‌ عليه‌ السلام‌ آنذاك‌ لبيان‌ فضائله‌، أمر الحسنين‌ عليهما السلام‌ بذلك‌. وخَالَ الراوي‌ أ نّهما خطبة‌ واحدة‌ فذكرهما معاً.

تتمة النص

الصفحة الاولي للموقع فهرس الكتب الفهرس الموضوعي الفحص

 

.

معرفي و راهنما

كليه حقوق، محفوظ و متعلق به موسسه ترجمه و نشر دوره علوم و معارف اسلام است.
info@maarefislam.com