بسم الله الرحمن الرحيم

کتاب نور ملکوت القرآن / المجلد الرابع / القسم الثالث عشر: تواتر القرآن، تدوین القرآن، القراءات المتواترة

موقع علوم و معارف الإسلام الحاوي علي مجموعة تاليفات سماحة العلامة آية الله الحاج السيد محمد حسين الحسيني الطهراني قدس‌سره

 

 

الصفحة الاولي للموقع فهرس الكتب الفهرس الموضوعي الفحص

الصفحة السابقة

بیان أمیر المؤمنین علیه السلام فی لزوم التمسک بالقرآن الکریم

 ولقد كان‌ أمير المؤمنين‌ عليه‌ أفضل‌ صلوات‌ المصلّين‌ يؤكّد كثيراًعلی التمسّك‌ بالقرآن‌ الكريم‌ وبسُنّة‌ النبي‌ّ الاكرم‌ صلّي‌ الله‌ عليه‌ وآله‌ وسلّم‌، وقد وردت‌ له‌ في‌ « نهج‌ البلاغة‌ » خطب‌ كثيرة‌ تتحدّث‌ عن‌ عظمة‌ القرآن‌ والرسول‌ الاكرم‌ والارتباط‌ الوثيق‌ بينهما، يقول‌ في‌ أحدها:

 فَالقُرْآنُ آمِرٌ زَاجِرٌ، وَصَامِتٌ نَاطِقٌ. حُجَّة‌ اللَهِ عَلَی خَلْقِهِ، أَخَذَ عَلَيْهِ مِيثَاقَهُمْ، وَارْتَهَنَ عَلَيْهِ أَنفُسَهُمْ. أَتَمَّ نُورَهُ، وَأَكْرَمَ بِهِ دِينَهُ، وَقَبَضَ نَبِيَّهُ صَلَّي‌ اللَهُ عَلَيْهِ ] وآلِهِ [ وَسَلَّمَ وَقَدْ فَزَعَ إلَی الخَلْقِ مِنْ أَحْكَامِ الهُدَي‌ بِهِ. فَعَظِّمُوا مِنْهُ سُبْحَانَهُ مَا عَظَّمَ مِنْ نَفْسِهِ، فَإنَّهُ لَمْ يُخْفِ عَنْكُمْ شَيْئاً مِنْ دِينِهِ، وَلَمْ يَتْرُكْ شَيْئاً رَضِيَهُ أَوْ كَرِهَهُ إلاَّ وَجَعَلَ لَهُ عَلَماً بَادِياً وَآيَةً مُحْكَمَةً، تَزْجُرُ عَنْهُ أَوْ تَدْعُو إلیهِ. فَرِضَاهُ فِيمَا بَقِي‌َ وَاحِدٌ، وَسَخَطُهُ فِيمَا بَقِي‌َ وَاحِدٌ. [1]

 يقول‌ ابن‌ أبي‌ الحديد في‌ شرح‌ هذه‌ الفقرات‌: أَخَذَ سُبْحَانَهُ عَلَی الخَلاَئِقِ مِيثَاقَهُ وَارْتَهَنَ عَلَيْهِ أَنفُسَهُمْ؛ لمّا كان‌ سبحانه‌ قد قرّر في‌ عقول‌ المكلّفين‌ أدلّة‌ التوحيد والعدل‌، ومن‌ جملة‌ مسائل‌ العدل‌ النبوّة‌، ويثبت‌ نبوّة‌ محمّد صلّي‌ الله‌ عليه‌ وآله‌ وسلّم‌ عقلاً، كان‌ سبحانه‌ بذلك‌ كالآخذ ميثاق‌ المكلّفين‌ بتصديق‌ دعوته‌ وقبول‌ القرآن‌ الذي‌ جاء، وجعل‌ به‌ أنفسهم‌ رهناًعلی الوفاء بذلك‌، فمن‌ خالف‌ خسر وهلك‌ هلاك‌ الابد.

 هذا تفسير المحقّقين‌؛ ومن‌ الناس‌ من‌ يقول‌: المراد بذلك‌ قصّة‌ الذرّيّة‌ قبل‌ خلق‌ آدم‌ عليه‌ السلام‌ كما ورد في‌ الاخبار، وكما فسّر قومٌ عليه‌ الآية‌... ».

 وأمّا قوله‌: لَمْ يَتْرُكْ شَيْئاً رَضِيَهُ أَوْ كَرِهَهُ إلاَّ وجَعَلَ لَهُ عَلَماً بَادِياً وَآيَةً مُحْكَمَةً فقد قال‌: أي‌ أمّا منصوص‌ عليه‌ صريحاً، أو يمكن‌ أن‌ يُستنبَط‌ حُكمه‌ من‌ القرآن‌ إمّا بذكره‌ أو بتركه‌ فيبقي‌علی البراءة‌ الاصليّة‌ وحكم‌ العقل‌.

 قوله‌: فَرِضَاهُ فِيمَا بَقِي‌َ وَاحِدٌ، وَسَخَطُهُ فِيمَا بَقِي‌َ وَاحِدٌ؛ معناه‌: أنّ ما لم‌ ينصّ عليه‌ صريحاً هو في‌ محلّ النظر، ليس‌ يجوز للعلماء أن‌ يجتهدوا فيه‌ فيحلّه‌ بعضُهم‌ ويحرّمه‌ بعضُهم‌، بل‌ رضا الله‌ سبحانه‌ أمرٌ واحد وكذلك‌ سخطه‌، فليس‌ يجوز أن‌ يكون‌ شي‌ء من‌ الاشياء يفتي‌ فيه‌ قومٌ بالحلّ وقومٌ بالحرمة‌. وهذا قول‌ منه‌ عليه‌ السلام‌ بتحريم‌ الاجتهاد، وقد سبق‌ منه‌ عليه‌ السلام‌ مثل‌ هذا الكلام‌ مراراً ». [2]

 وقد كتب‌ أمير المؤمنين‌ عليه‌ السلام‌ في‌ حاضرين‌ [3] عند عودته‌ من‌ حرب‌ صفّين‌ وصيّةً مفصّلة‌ ذات‌ مضامين‌ جليلة‌، بحيث‌ يمكن‌ القول‌ عنها حقّاً بأ نّها تإلی‌ تِلو القرآن‌ في‌ رقيّ عباراتها وعلوّ معانيها ورشاقة‌ مضامينها وعظمة‌ أدبها، يقول‌ فيها:

 أيْ بُنَيَّ! إنِّي‌ وَإنْ لَمْ أَكُنْ عُمِّرْتُ عُمْرَ مَنْ كَانَ قَبْلِي‌، فَقَدْ نَظَرْتُ فِي‌ أَعْمَالِهِمْ، وَفَكَّرْتُ فِي‌ أَخْبَارِهِمْ، وَسِرْتُ فِي‌ آثَارِهِمْ حَتَّي‌ عُدْتُ كَأَحَدِهِمْ. بَلْ كَأَنِّي‌ بِمَا انْتَهَي‌ إلی مِنْ أُمُورِهِمْ قَدْ عُمِّرْتُ مَعَ أَوَّلِهِمْ إلَی آخِرِهِمْ.

 فَعَرَفْتُ صَفْوَ ذَلِكَ مِنْ كَدَرِهِ، وَنَفْعَهُ مِنْ ضَرَرِهِ، فَاسْتَخْلَصْتُ لَكَ مِنْ كُلِّ أَمْرٍ نَخِيلَهُ، وَتَوَخَّيْتُ لَكَ جَمِيلَهُ، وَصَرَفْتُ عَنْكَ مَجْهُولَهُ، وَرَأَيْتُ حَيْثُ عَنَانِي‌ مِنْ أَمْرِكَ مَا يَعْنِي‌ الوَالِدَ الشَّفِيقَ. وَأَجْمَعْتُ عَلَيْهِ مِنْ أَدَبِكَ أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ، وَأَنْتَ مُقْبِلُ العُمْرِ وَمُقْبِلُ الدَّهْرِ، ذُو نِيَّةٍ سَلِيمَةٍ وَنَفْسٍ صَافِيَةٍ.

 وَأَنْ أَبْتَدِئَكَ بِتَعْلِيمِ كِتَابِ اللَهِ وَتَأْوِيلِهِ،[4] وَشَرَائِعِ الإسْلاَمِ وَأَحْكَامِهِ، وَحَلاَلِهِ وَحَرَامِهِ، لاَ أُجَاوِزُ ذَلِكَ بِكَ إلَی غَيْرِهِ.

 ثُمَّ أَشْفَقْتُ أَنْ يَلْتَبِسَ عَلَيْكَ مَا اخْتَلَفَ النَّاسُ فِيهِ مِنْ أَهْوَائِهِمْ وَآرَائِهِمْ مِثْلَ الَّذِي‌ التَبَسَ عَلَيْهِمْ، فَكَانَ إحْكَامَ ذَلِكَ عَلَی مَا كَرِهْتُ مِنْ تَنْبِيهِكَ لَهُ أَحَبَّ إلی مِنْ إسْلاَمِكَ إلَی أَمْرٍ لاَ آمَنُ عَلَيْكَ بِهِ الهَلَكَةَ، وَرَجَوْتُ أَنْ يُوَفِّقَكَ اللَهُ فِيهِ لِرُشْدِكَ، وَأَنْ يَهْدِيَكَ لِقَصْدِكَ، فَعَهِدْتُ إلیكَ وَصِيَّتِي‌ هَذِهِ! [5]

 ثمّ يشرع‌ أمير المؤمنين‌ عليه‌ السلام‌ بتفصيل‌ مطالب‌ وصيّته‌، فيذكر بيانات‌ في‌ كيفيّة‌ الآداب‌ والاعمال‌ وانهدام‌ الآمال‌ الدنيويّة‌ وكرم‌ النفس‌ وغير ذلك‌، مستنداً في‌ ذلك‌ كلّه‌ إلی‌ القرآن‌ الكريم‌ والسُّنّة‌.

 الرجوع الي الفهرس

دعاء « الصحیفة السجادیة» فی لزوم التمسک بالقرآن

 ويقول‌ سيّد الساجدين‌، زين‌ العابدين‌ عليه‌ السلام‌ في‌ صحيفته‌ ضمن‌ الدعاء بعد ختم‌ القرآن‌، متضرّعاً إلی‌ ساحة‌ الربّ ذي‌ الجلال‌:

 اللَهُمَّ إنَّكَ أَنْزَلْتَهُ عَلَی نَبِيِّكَ مُحَمَّدٍ صَلَّي‌ اللَهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ مُجْمَلاً، وَأَلْهَمْتَهُ عِلْمَ عَجَائِبِهِ مُكَمَّلاً، وَوَرَّثْتَنَا عِلْمَهُ مُفَسَّراً، وَفَضَّلْتَنَا عَلَی مَن‌ جَهِلَ عِلْمَهُ، وَقَوَّيْتَنَا عَلَيْهِ لِتَرْفَعَنَا فَوْقَ مَنْ لَمْ يُطِقْ حَمْلَهُ.

 اللَهُمَّ فَكَمَا جَعَلْتَ قِلُوبَنَا لَهُ حَمَلَةً، وَعَرَّفْتَنَا بِرَحْمَتِكَ شَرَفَهُ وَفَضْلَهُ، فَصَلِّ عَلَی مُحَمَّدٍ الخَطِيبِ بِهِ، وَعَلَي‌ آلِهِ الخُزَّانِ لَهُ؛ واجْعَلْنَا مِمَّنْ يَعْتَرِفُ بِأَ نَّهُ مِنْ عِنْدِكَ حَتَّي‌ لاَ يُعَارِضَنَا الشَّكَ فِي‌ تَصْدِيقِهِ، وَلاَ يَخْتَلِجَنَا الزَّيْغُ عَنْ قَصْدِ طَرِيقِهِ.

 اللَهُمَّ صَلِّ عَلَی مُحَمَّدٍ وَآلِهِ، وَاجْعَلْنَا مِمَّنْ يَعْتَصِمُ بِحَبْلِهِ، وَيَأْوِي‌ مِنَ المُتَشَابِهَاتِ إلَی حِرْزِ مَعْقَلِهِ، وَيَسْكُنُ فِي‌ ظِلِّ جَنَاحِهِ، وَيَهْتَدِي‌ بِضَوْءِ مِصْبَاحِهِ، وَيَقْتَدِي‌ بِتَبَلُّجِ إسْفَارِهِ، وَيَسْتَصْبِحُ بِمِصْبَاحِهِ، وَلاَ يَلْتَمِسُ الهُدَي‌ فِي‌ غَيْرِهِ.

 حتّي‌ يصل‌ إلی‌ قوله‌: اللَهُمَّ صَلِّ عَلَی مُحَمَّدٍ وَآلِهِ، وَاحْطُطْ بِالقُرآنِ عَنَّا ثِقْلَ الاَوْزَارِ، وَهَبْ لَنَا حُسْنَ شَمَائِلِ الاَبْرَارِ، وَاقْفُ بِنَا آثَارَ الَّذِينَ قَامُوا لَكَ بِهِ آنَاءَ اللَّيْلِ وَأطْرَافَ النَّهَارِ؛ حَتَّي‌ تُطَهِّرَنَا مِنْ كُلِّ دَنَسٍ بِتَطْهِيرِهِ، وَتَقْفُو بِنَا آثَارَ الَّذِينَ اسْتَضَاءُوا بِنُورِهِ، وَلَمْ يُلْهِهِمُ الاَمَلُ عَنِ العَمَلِ فَيَقْطَعَهُمْ بِخُدَعِ غُرُورِهِ.

 اللَهُمَّ صَلِّ عَلَی مُحَمَّدٍ وَآلِهِ، وَاجْعَلِ القُرْآنَ لَنَا فِي‌ ظُلَمِ اللَّيَإلی‌ مُؤْنِساً، وَمِنْ نَزَعَاتِ الشَّيْطَانِ وَخَطَرَاتِ الوَسَاوِسِ حَارِساً، وَلاِقْدَامِنَا عَنْ نَقْلِهَا إلَی المَعَاصِي‌ حَابِساً، وَلاِلْسِنَتِنَا عَنِ الخَوْضِ فِي‌ البَاطِلِ مِنْ غَيْرِ مَا آفَةٍ مُخْرِساً، وَلِجَوَارِحِنَا عَنِ اقْتِرَافِ الآثَامِ زَاجِراً، وَلِمَا طَوَتِ الغَفْلَةُ عَنَّا مِنْ تَصَفُّحِ الاعْتِبَارِ نَاشِراً؛ حَتَّي‌ تُوصِلَ إلَی قُلُوبِنَا فَهْمُ عَجَائِبِهِ، وَزَوَاجِرَ أَمْثَالِهِ الَّتِي‌ ضَعُفَتِ الجِبَالُ الرَّوَاسِي‌ عَلَی صَلاَبَتِهَا عَنِ احْتِمَالِهِ.[6]

 الرجوع الي الفهرس

لا تغتم أبدا مادام وردک الدعاء و درسک القرآن

 وقد كان‌ الخواجة‌ شمس‌ الدين‌ محمّد حافظ‌ الشيرازيّ قدّس‌ الله‌ تربته‌ الزكيّة‌ حافظاً للقرآن‌ الكريم‌، وقد اشتهر باسم‌ حافظ‌ مع‌ أ نّه‌ أُستاذ كامل‌، ومتكلّم‌ بصير، وفقيه‌ قدير، وعارف‌ منقطع‌ النظير، لا نّه‌ كان‌ حافظاً للقرآن‌ الكريم‌. وقد قال‌ بنفسه‌:

 عشقت‌ رسد به‌ فرياد ار خود بسان‌ حافظ                             ‌ قرآن‌ ز بر بخواني‌ در چارده‌ روايت‌ [7]

 وقال‌:

 حافظ‌ مي‌ خور و رندي‌ كن‌ و خوش‌ باش‌ ولي                         ‌ دام‌ تزوير مكن‌ چون‌ دگران‌ قرآن‌ را [8]

 وقال‌:

 اي‌ چنگ‌ فرو برده‌ بخون‌ دل‌ حافظ                             ‌ فكرت‌ مگر از غيرت‌ قرآن‌ و خدا نيست‌[9]

 وقال‌:

 حافظ‌ به‌ حقّ قرآن‌ كز شيد و زرق‌ باز آي‌                              باشد كه‌ گوي‌ عيشي‌ در اين‌ جهان‌ توان‌ زد[10]

 وقال‌ أيضاً:

 زاهد ار رندي‌ حافظ‌ نكند فهم‌ چه‌ شد                                   ديو بگريزد از آن‌ قوم‌ كه‌ قرآن‌ خوانند[11]

 وقال‌:

 حافظا در كنج‌ فقر و خلوت‌ شبهاي‌ تار                                  تا بود وردت‌ دعا و درس‌ قرآن‌ غم‌ مخور[12]

 وقال‌:

 گفتمش‌ زلف‌ به‌ خون‌ كه‌ شكستي‌ گفتا                               حافظ‌ اين‌ قصّه‌ دراز است‌ به‌ قرآن‌ كه‌ مپرس‌ [13]

 وقال‌:

 هيچ‌ حافظ‌ نكند در خم‌ محراب‌ فلك‌                          اين‌ تنعّم‌ كه‌ من‌ از دولت‌ قرآن‌ كردم‌ [14]

 وقد أورد حافظ‌ في‌ ديوانه‌ اسم‌ القرآن‌ في‌ تسعة‌ مواضع‌، ذكرنا منها ثمانية‌ مواضع‌، ونري‌ أنّ من‌ اللائق‌، بمناسبة‌ اختتام‌ هذا البحث‌، أن‌ نذكر الغزل‌ المبارك‌ التاسع‌ بتمامه‌:

 بيا با ما مورز اين‌ كينه‌ داري                                   ‌ كه‌ حقّ صحبت‌ ديرينه‌ داري‌

 نصيحت‌ گوش‌ كن‌ كاين‌ دُر بسي‌ به                         ‌ از آن‌ گوهر كه‌ در گنجينه‌ داري‌

 به‌ فرياد خُمار مفلسان‌ رس‌                                   خدا را گر ميِ دوشينه‌ داري‌ [15]

 وليكن‌ كي‌ نمائي‌ رخ‌ به‌ رندان‌                                تو كز خورشيد و مه‌ آئينه‌ داري‌

 بدِ رندان‌ مگو اي‌ شيخ‌ و هشدار                             كه‌ با مهر خدائي‌ كينه‌ داري‌

 نمي‌ترسي‌ ز آه‌ آتشينم                            ‌ تو داني‌ خرقة‌ پشمينه‌ داري‌[16]

 نديدم‌ خوشتر از شعر تو حافظ‌                                به‌ قرآني‌ كه‌ اندر سينه‌ داري‌

 الرجوع الي الفهرس

 

البحث الثانی عشر:

 شمول القرآن الکریم و کونه غیر قابل للتغییر

 

أعُوذُ بِاللَهِ مِنَ الشَّيطانِ الرَّجِيمِ

بِسْـمِ اللَهِ الـرَّحْمَنِ الـرَّحِيمِ

وصلَّي‌ اللَهُ عَلَی سَيِّدِنا مُحَمَّدٍ وآلِهِ الطَّيِّبِينَ الطَّاهِرِينَ

ولَعْنَةُ اللَهِ عَلَی أعْدَائهِمْ أجْمَعِينَ مِنَ الآنَ إلَی قِيامِ يَوْمِ الدِّينِ

ولاَ حَولَ ولاَ قُوَّةَ إلاَّ بِاللَهِ العَلِي‌ِّ العَظِيمِ

 قال‌ الله‌ الحكيم‌ في‌ كتابه‌ الكريم‌:

 قُلْ أَيُّ شَيْءٍ أَكْبَرُ شَهَـ'دَةً قُلِ اللَهُ شَهِيدٌ بَيْنِي‌ وَبَيْنَكُمْ وَأُوحِيَ إلی هَـ'ذَا الْقُرْءَانُ لاِنذِرَكُم‌ بِهِ وَمَن‌ بَلَغَ أَنءِنَّكُمْ لَتَشْهَدُونَ أَنَّ مَعَ اللَهِ ءَالِهَةً أُخْرَي‌' قُل‌ لآ أَشْهَدُ قُلْ إِنَّمَا هُوَ إِلَـ'هٌ وَ حِدٌ وَإِنَّنِي‌ بَرِي‌´ءٌ مِّمَّا تُشْرِكُونَ. [17]

 ذكرنا في‌ المباحث‌ السابقة‌ أنّ القرآن‌ قد أُوحي‌ إلی‌ النبي‌ّ الاكرم‌ صلّي‌ الله‌ عليه‌ وآله‌ وسلّم‌ بخصوصيّة‌ عباراته‌ وألفاظه‌ وهيئة‌ كلماته‌ وإعرابه‌، وأنّ معانيه‌ لم‌ تُوحَ إلی‌ النبي‌ّ فقام‌ بصبّها في‌ قالب‌ الالفاظ‌ والعبارات‌. وهذا الامر من‌ مختصّات‌ القرآن‌ الكريم‌، وهو ممّا لا يوجد في‌ كتاب‌ من‌ جميع‌ الكتب‌ السماويّة‌، ولقد أنزل‌ جبرائيل‌ الامين‌ تلك‌ المعاني‌ العإلیة‌ الرشيقة‌ من‌ مقام‌ قدس‌ ربّ العزّة‌ في‌ قالب‌ خصوص‌ هذه‌ العبارات‌ الفصيحة‌ البليغة‌علی القلب‌ المبارك‌ لرسول‌ الله‌.

 ولهذا فإنّ ترجمة‌ القرآن‌ لا تُدعي‌ قرآناً؛ ومطالعته‌ دون‌ تلفّظ‌ عباراته‌ لا تُسمّي‌ تلاوةً، ولو استلزمت‌ الاجر والثواب‌.

 ولقد أخطأ من‌ تصوّر أنّ معاني‌ القرآن‌ لوحدها قد أُنزلت‌علی النبي‌ّ الاكرم‌ صلّي‌ الله‌ عليه‌ وآله‌ وسلّم‌، فهذا مخالف‌ لعقيدة‌ المسلمين‌. والمسلمون‌ منذ زمن‌ رسول‌ الله‌ وإلی‌ يومنا هذا يعتقدون‌ بأنّ عين‌ ألفاظ‌ القرآن‌ هي‌ كلام‌ الله‌ تعالی‌ الذي‌ أُنزل‌علی النبي‌ّ؛ وهذا هو القرآن‌ الكريم‌.

 أمّا السُّنّة‌ فعبارة‌ عن‌ المعاني‌ التي‌ كانت‌ تُلقي‌علی قلب‌ النبي‌ّ، فكان‌ يصبّها في‌ قالب‌ العبارات‌، لانّ جميع‌ كلام‌ النبي‌ّ الاكرم‌ صلّي‌ الله‌ عليه‌ وآله‌ وسلّم‌ من‌ الربّ الجليل‌. أمّا إذا صرّح‌ النبي‌ّ بأنّ الله‌ تعالی‌ قال‌ كذا، فإنّه‌ يدعي‌ بالحديث‌ القُدسي‌ّ.

 ولا تمثّل‌ مطالعة‌ القرآن‌ قراءةً للقرآن‌؛ ففي‌ الصلاة‌ ـ مثلاً ينبغي‌ أن‌ تجري‌ هذه‌ الالفاظ‌ بخصوصهاعلی لسان‌ المصلّي‌، وإلاّ لم‌ يُعدّ قد قرأ قرآناً، ولكان‌ في‌ النتيجة‌ لم‌ يُقمِ الصلاة‌. وإذا ما عجز امرؤ عن‌ التلفّظ‌ بهذه‌ العبارات‌ بصيغتها الخاصّة‌، ولو كان‌ ذلك‌ مسبّباً عن‌ نقصٍ في‌ لسانه‌ أو وجود لكنةٍ لديه‌، فإنّه‌ لن‌ يكون‌ قد قرأ القرآن‌، وسيكون‌ الاقتداء به‌ في‌ صلاة‌ الجماعة‌ باطلاً. والحكمة‌ الجليلة‌ في‌ هذا الحُكم‌ هي‌ حِفظ‌ خصوص‌ ألفاظ‌ القرآن‌ وعباراته‌، لئلاّ يسري‌ فيها نقص‌ أو خلل‌ أو زيادة‌ خلال‌ الدهور والاعوام‌ المتمادية‌.

 الرجوع الي الفهرس

طریق ثبوت القرآن منحصر بالتواتر

 أمّا طريق‌ ثبوت‌ القرآن‌ لنا فهو طريق‌ التواتر. أي‌ أنّ الافراد الذين‌ نقلوا لنا القرآن‌ بألفاظه‌ وعباراته‌ وحركاته‌ هم‌ من‌ الكثرة‌ بحيث‌ لا يتصوَّر احتمال‌ تواطؤهم‌علی الكذب‌ في‌ ذلك‌. ومثل‌ ذلك‌ كمثل‌ وجود مدينتَي‌ مكّة‌ والمدينة‌، والوجود المقدّس‌ للرسول‌ الاكرم‌ وأمير المؤمنين‌ عليهما السلام‌ الذي‌ ثبت‌ لدينا بالتواتر.

 وعلماء العامّة‌ وأساطين‌ الشيعة‌ متّفقون‌علی أنّ طريق‌ ثبوت‌ القرآن‌ منحصر في‌ التواتر. أمّا ما ورد في‌ آحاد الاخبار، فإنّه‌ ليس‌ قرآناً، مهما كان‌ في‌ أعلي‌ درجة‌ من‌ درجات‌ الصحّة‌. ولهذا السبب‌ فإنّ جميع‌ الروايات‌ التي‌ وردت‌ في‌ زيادة‌ أو نقص‌ آية‌ أو عبارة‌ من‌ القرآن‌ الكريم‌، مرفوضة‌ بأجمعها وساقطة‌ الاعتبار.

 وقد أورد هذا المطلب‌ العلاّمة‌ الحلّيّ رضوان‌ الله‌ عليه‌ ـ وهو من‌ أعاظم‌ الفقهاء في‌ كتابه‌ « التذكرة‌ »، باب‌ القراءة‌، وفي‌ كتاب‌ « نهاية‌ الاحكام‌ » وسائر كتبه‌ الاُخري‌.

 كما أ نّه‌ ـ مضافاً إلی‌ ذلك‌ أورد دليلاًعلی أنّ القرآن‌ هو معجزة‌ النبوّة‌، وأنّ إلیقين‌ لازم‌ في‌ الاُمور الاعتقاديّة‌، لذا يجب‌ أن‌ يثبت‌ بإلیقين‌ أمر صحّة‌ القرآن‌ وهو ما ينحصر بالتواتر. وإذا ما كان‌ القرآن‌ يقينيّاً، فإنّ إلیقين‌ سيحصل‌ بالنبوّة‌ بناءًعلی ذلك‌. أمّا إذا كان‌ القرآن‌ ظنّيّاً، فإنّ معجزة‌ النبوّة‌ ستكون‌ ظنّيّةً، وسيكون‌ أصل‌ النبوّة‌ أمراً ظنّيّاً.

 يقول‌ سماحة‌ أُستاذنا الاكرم‌ آية‌ الله‌ العظمي‌ الحاجّ السيّد أبو القاسم‌ الخوئيّ دامت‌ بركاته[18]‌ في‌ مقدّمة‌ كتابه‌ في‌ التفسير « البيان‌ »:

 أَطْبَقَ المُسْلِمُونَ بِجَمِيعِ نِحَلِهِمْ وَمَذَاهِبِهِمْ عَلَی أنَّ ثُبُوتَ القُرْآنِ يَنْحَصِرُ طَرِيقُهُ بِالتَّوَاتُرِ. وَاسْتَدَلَّ كَثِيرٌ مِنْ عُلَمَاءِ السُّنَّةِ وَالشِّيعَةِ عَلَی ذَلِكَ بِأَنَّ القُرْآنَ تَتَوَفَّرُ الدَّوَاعِي‌ لِنَقْلِهِ، لاِ نَّهُ الاَسَاسُ لِلدِّينِ الإسْلاَمِيّ، وَالمُعْجِزُ الإلَهِيُّ لِدَعْوَةِ نَبِي‌ِّ المُسْلِمِينَ. وَكُلُّ شَي‌ْءٍ تَتَوَفَّرُ الدَّوَاعِي‌ لِنَقْلِهِ لاَبُدَّ وَأَنْ يَكُونَ مُتَوَاتِراً.

 وعَلَي‌ ذَلِكَ فَمَا كَانَ نَقْلُهُ بِطَرِيقِ الآحَادِ لاَ يَكُونُ مِنَ القُرْآنِ قَطْعاً. [19]

 ويتّضح‌ من‌ كلامه‌ أنّ كلّ من‌ يقرأ القرآن‌، من‌ زمن‌ النبي‌ّ صلّي‌ الله‌ عليه‌ وآله‌ وسلّم‌ إلی‌ يومنا هذا، يلزمه‌ أن‌ يكون‌ قد سمع‌ نفس‌ الكلمات‌ والحروف‌ التي‌ يتعلّمها من‌ النبي‌ّ الاكرم‌ نفسه‌، أو أن‌ يسعي‌ ـ إذا سمعه‌ بواسطةٍ منه‌ أن‌ يتيقّن‌ بصدورها منه‌؛ وأنّ من‌ يقرأ بقراءة‌ شاذّة‌، في‌ أيّ زمن‌ كان‌، سيتعرّض‌ للانتقاد والطعن‌.

 الرجوع الي الفهرس

 جمع القرآن فی زمن عثمان بإشراف زید بن ثابت

وقد كان‌ هناك‌ جماعة‌ في‌ عصر الرسول‌ الاكرم‌ يأخذون‌ القرآن‌ عن‌ النبي‌ّ فيعلّمونه‌ للناس‌؛ ومن‌ أشهرهم‌ أُبيّ بن‌ كعب[20]و عبد الله‌ بن‌ مسعود، وكان‌ لكلّ منهم‌ مصحف‌ خاصّ، وكانت‌ قراءاتهم‌ تختلف‌ عن‌ بعضها. وكان‌ رسول‌ الله‌ يعلم‌ باختلاف‌ القرّاء، وكان‌ يمنعهم‌ في‌ بعض‌ الاحيان‌، ويقرّهم‌ في‌ البعض‌ الآخر، أي‌ يجيز تلك‌ القراءة‌ ويُقرّها. [21]

 وكانت‌ قراءة‌ أُبي‌ّ بن‌ كعب‌ وقراءة‌ عبد الله‌ بن‌ مسعود من‌ القراءات‌ التي‌ كان‌ رسول‌ الله‌ يُقرّها، ولذلك‌ فحين‌ أراد عثمان‌ إلغاء جميع‌ القراءات‌ وإبقاء قراءة‌ واحدة‌ فقط‌ يجمع‌ الناس‌ عليها، فقد اعترض‌ عليه‌ عبد الله‌ بن‌ مسعود وقال‌: لقد كنتُ أقرأ القرآن‌ بقراءتِي‌ في‌ عصر رسول‌ الله‌، وكان‌ يسمع‌ قراءتِي‌ ويُقرّها، فلا معني‌ لسعيك‌ حصر قراءة‌ القرآن‌ في‌ قراءة‌ واحد وإلغاء باقي‌ القراءات‌، ولو كان‌ هذا العمل‌ صحيحاً، لعمله‌ رسول‌ الله‌ بنفسه‌، ويجب‌ أن‌ لا تُلغي‌ القراءات‌ المشهورة‌ المعروفة‌. أجل‌، فالقراءات‌ الشاذّة‌ التي‌ لم‌ تثبت‌ بالتواتر ينبغي‌ ألاّ توضع‌ في‌ النسخ‌ التي‌ في‌ أيدي‌ الناس‌.

 وبيان‌ ذلك‌ أنّ عبد الله‌ كان‌ في‌ أحد أسفاره‌، فكتب‌ إلی‌ عثمان‌: لقد راجت‌ القراءات‌ الكثيرة‌ بين‌ الناس‌، فأدرك‌ القرآن‌! فقام‌ عثمان‌ بتشكيل‌ جماعة‌ من‌ خمسين‌ نفر من‌ قرّاء الصحابة‌: خمسة‌ وعشرون‌ منهم‌ من‌ المهاجرين‌، وخمسة‌ وعشرون‌ من‌ الانصار، يرأسهم‌ ويُشرف‌ عليهم‌ زيد ابن‌ ثابت‌. فكان‌ كلّ من‌ كان‌ معه‌ آية‌ من‌ القرآن‌ يأتي‌ بها فيعرضهاعلی هؤلاء القرّاء ويشهد له‌ شاهدا عدل‌، فتدوّن‌ آيته‌ في‌ المصحف‌، وكان‌ ذلك‌ بطبيعة‌ الحال‌ احتياطاً منهم‌ لئلاّ تبقي‌ آية‌ من‌ القرآن‌ الكريم‌ عند أحد دون‌ أن‌ تُجمع‌ في‌ التدوين‌ الاوّل‌.

 الرجوع الي الفهرس

تدوین القرآن فی عصر أبی بکر و فی عصر عثمان

 وكان‌ التدوين‌ الاوّل‌ للقرآن‌ قد حصل‌علی يد زيد بن‌ ثابت‌ في‌ زمن‌ أبي‌ بكر بأمرٍ منه‌، فقد كان‌ القرآن‌ حتّي‌ ذلك‌ الحين‌ لم‌ يُجمع‌ ولم‌ يدوّن‌ بين‌ الدفّتين‌. وكان‌ الناس‌ يحفظون‌ سور القرآن‌ في‌ صدورهم‌، وكان‌ بعضهم‌ يحفظ‌ أكثر من‌ سواه‌، وكان‌ الافراد الذين‌ يحفظون‌ سوراً كثيرة‌ يُدعون‌ بالقرّاء، وكان‌ عددهم‌ في‌ زمن‌ رسول‌ الله‌ يقرب‌ من‌ سبعين‌ أو ثمانين‌ قارئاً. وكانوا يعلّمون‌ الناس‌ القرآن‌ الكريم‌.

 ثمّ إنّ عدداً من‌ هؤلاء القرّاء استشهد في‌ وقعة‌ بئر معونة‌ في‌ عصر رسول‌ الله‌ صلّي‌ الله‌ عليه‌ وآله‌ وسلّم‌، ثمّ استشهد سبعون‌ منهم‌ ـ وبرواية‌ أُخري‌ أربعمائة‌ نفر منهم‌ في‌ عصر أبي‌ بكر خلال‌ محاربة‌ المسلمين‌ لمُسيلمة‌ الكذّاب‌ في‌ إلیمامة‌ [22]، فخُشي‌علی القرآن‌ من‌ الضياع‌ بهلاك‌ قرّائه‌، فجاء عمر إلی‌ أبي‌ بكر واصرّعلی ضرورة‌ جمع‌ القرآن‌ الذي‌ في‌ أيدي‌ الناس‌ وفي‌ صدورهم‌ وتدوينه‌ مجموعاً، وإلاّ خُشي‌علی القرآن‌ من‌ الضياع‌ باستشهاد باقي‌ القرّاء في‌ الحروب‌ التي‌ قد تحدث‌، فعُهد إلی‌ زيد بن‌ ثابت‌ ـ وكان‌ من‌ قرّاء القرآن‌ من‌ الانصار، وكان‌ شابّاً عاقلاً بجمع‌ القرآن‌ وتدوينه‌، فقام‌ بذلك‌، وجمع‌ سور القرآن‌ وآياته‌ المتفرّقة‌ حتّي‌ لم‌ تُترك‌ آية‌ إلاّ ودُوّنت‌ في‌ هذا التدوين‌. وقد دُعي‌ هذا التدوين‌ بهذه‌ الكيفيّة‌ بالتدوين‌ الاوّل‌ للقرآن‌. [23]

 أمّا التدوين‌ الثاني‌ الذي‌ حصل‌ في‌ عهد عثمان‌، فلم‌ يتعرّض‌ لاصل‌ القرآن‌، بل‌ بكيفيّة‌ قراءته‌. فقد كان‌ قارئو القرآن‌ الذين‌ يتعلّمون‌ القرآن‌ في‌ عصر رسول‌ الله‌ صلّي‌ الله‌ عليه‌ وآله‌ وسلّم‌ ثمّ يعلّمونه‌ للناس[24]‌، يقرأون‌ القرآن‌ بقراءات‌ مختلفة‌، وكان‌ رسـول‌ الله‌ يسـمع‌ تلـك‌ القراءات‌ الرائجة‌ فلا يمنع‌ عنها إلاّ في‌ بعض‌ مواقـع‌ الضـرورة‌، فقد كان‌ ينبّه‌علی القراءات‌ المغلوطة‌.

 الرجوع الي الفهرس

امتناع ابن مسعود من تسلیم مصحفه إلی عثمان لإحراقه

 وكانت‌ القراءات‌ كثيرة‌ يتجاوز عددها المائة‌ قراءة‌، ثمّ اشتدّ الاختلاف‌ شيئاً فشيئاً، حتّي‌ بلغ‌ الاختلاف‌ في‌ عهد عثمان‌ بواسطة‌ كثرة‌ القرّاء ومرور الزمان‌ حدّاً جعل‌ عبد الله‌ بن‌ مسعود يكتب‌ إلی‌ عثمان‌: أدرك‌ هذه‌ الاُمّة‌، فقد كثرت‌ القراءات‌ وأشرف‌ القرآن‌علی الضياع‌. وشاركه‌ حذيفة‌ إلیمانيّ وبعض‌ الصحابة‌ الآخرين‌ في‌ التأكيدعلی هذا الامر، فاستجاب‌ عثمان‌ لطلب‌ ابن‌ مسعود، فأمر بجلب‌ جميع‌ المصاحف‌ إلی‌ المدينة‌، سواء في‌ ذلك‌ مصاحف‌ المدينة‌، ومصاحف‌ مكّة‌، ومصاحف‌ سائر البلاد الاُخري‌، فجُمعت‌ المصاحف‌، وكانت‌ في‌ ذلك‌ العصر مدوّنة‌علی ألواح‌ الخشب‌ والاكتاف‌ وعُسب‌ النخل‌ وقطع‌ أديم‌ الغزال‌ والرقاع‌، فكدّست‌علی بعضها فكانت‌ تلاّ كبيراً، فأحرقها بأجمعها.

 هذا ما جاء في‌ روايات‌ الشيعة‌، أمّا ما جاء في‌ روايات‌ العامّة‌ فهو أنّ عثمان‌ أمر بإلقاء هذه‌ المصاحف‌ في‌ قدر ماء مغليّ فسُلقتْ حتّي‌ زالت‌ عنها آيات‌ القرآن‌. ثمّ إنّ عثمان‌ أمر زيد بن‌ ثابت‌ بتدوين‌ المصحف‌علی قراءة‌ واحدة‌، فدُعي‌ هذا التدوين‌ بالتدوين‌ الثاني‌.

 ثمّ إنّ عثمان‌ أعدّ خمس‌ نُسخ‌ من‌ هذا المصحف‌، فأبقي‌ أحدهما في‌ المدينة‌ بعنوان‌ إمام‌، وأرسل‌ مصحفاً إلی‌ مكّة‌، ومصحفاً إلی‌ الشام‌، ومصحفاً إلی‌ البصرة‌، ومصحفاً إلی‌ الكوفة‌. ودُعيت‌ تلك‌ المصاحف‌ بالمصحف‌ الإمام‌، لا نّها صارت‌ مرجعاً يرجع‌ إلیه‌ جميع‌ أهإلی‌ تلك‌ الديار. كما جاء في‌ بعض‌ الروايات‌ أنّ عثمان‌ أرسل‌ أيضاً مصحفاً إلی‌ إلیمن‌، ومصحفاً إلی‌ البحرين‌.[25]

 وفي‌ خضمّ انشغال‌ عثمان‌ بجمع‌ المصاحف‌، عاد عبد الله‌ بن‌ مسعود من‌ سفره‌، فرأي‌ عثمان‌ وهو يريد إحراق‌ المصاحف‌، فانتقده‌ في‌ عدّة‌ مجالـس‌، وعيّره‌ بذلك‌ وقال‌: لقد كتبتُ إلیه‌ أنّ القراءات‌ قـد زادت‌ بحيث‌ إنّ أصـل‌ القرآن‌ صـار في‌ معرض‌ الزوال‌، ولم‌ أقـل‌ له‌ أن‌ يُلغي‌ جميـع‌ القراءات‌، لانّ كثيراً من‌ تلك‌ القراءات‌ كان‌ موجوداً في‌ عهد رسول‌ الله‌، وكان‌ رسول‌ الله‌ يقرّها، ومن‌ جملتها هذا المصحف‌ الذي‌ معي‌، فقد قرأته‌علی النبي‌ّ، وقرأه‌ النبي‌ّ عَلَی هكذا. وليس‌ هناك‌ معني‌ لإتلاف‌ جميع‌ المصاحف‌، مضافاً إلی‌ أنّ إحراق‌ القرآن‌ بهذه‌ الكيفيّة‌ هو هتك‌ للكتاب‌ الإلهي‌ّ وعمل‌ قبيح‌ ينبغي‌ اجتنابه‌. لقد كنتُ أوّل‌ مَنِ اقترح‌ هذا الامر وسبق‌ إلیه‌، فقد أردتُ تجليل‌ كلام‌ الله‌، فإن‌ شئت‌ ( يا عثمان‌ ) أن‌ تسبّب‌ هتك‌ حرمة‌ القرآن‌ بهذه‌ الكيفيّة‌، فإنّي‌ أخالفك‌ بذلك‌.

 فلم‌ يستمع‌ عثمان‌ إلیه‌، وطلب‌ من‌ ابن‌ مسعود تسليمه‌ قرآنه‌ ليحرقه‌ مع‌ سائر المصاحف‌، فامتنع‌ ابن‌ مسعود أشدّ الامتناع‌. ثمّ إنّ عثمان‌ كان‌ يخطب‌ يوماًعلی المنبر، فقام‌ إلیه‌ ابن‌ مسعود ووبّخه‌علی مسمع‌ من‌ الناس‌، واعترض‌علی فعله‌، فغضب‌ عثمان‌ وأمر غلمانه‌ فسحبوه‌علی وجهه‌ من‌ المسجد وألقوه‌ خارجه‌، لكنّه‌ لم‌ يسلّم‌ المصحف‌ الذي‌ لديه‌، وقد كُسر له‌ إثر ذلك‌ أحد أضلاعه‌، وسقط‌ مريضاً في‌ الفراش‌ حتّي‌ فارق‌ الحياة‌. [26]

 ولمّا مرض‌ ابن‌ مسعود، عاده‌ عثمان‌ وأراد أن‌ يدفع‌ إلیه‌ عطاءه‌ من‌ بيت‌ المال‌، فلم‌ يقبل‌ وقال‌: منعتَنيه‌ وأنا أحوج‌ إلیه‌، وتُعطينيه‌ وأنا مُستغنٍ عنه‌، مُشرف‌علی موتي‌![27]

 وقد بقي‌ الاختلاف‌ في‌ القراءة‌ بعد عصر عثمان‌، إلاّ أ نّه‌ صار محدوداً في‌ رسم‌ الخطّ الموجود في‌ مصحف‌ زيد ولم‌ يتعدّاه‌ إلی‌ غيره‌. أمّا في‌ القراءات‌ السابقة‌، فقد كان‌ الاختلاف‌ يتعدّي‌ أحياناً رسم‌ الخطّ، وهذا الامر لا يخفي‌علی المتتبّعين‌ من‌ أهل‌ التفسير والقراءات‌.

 فقد كانت‌ قراءة‌ عمر بن‌ الخطّاب‌ ـ مثلاً ـ صِرَاطَ مَنْ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَغَيْرِ الضَّإلینَ، خلافاً لرسم‌ الخطّ في‌ المصحف‌ المشهور.

 وجاء في‌ قراءة‌ ابن‌ مسعود: مِنْ بَقْلِهَا وَقِثَّآئِهَا وَثُومِهَا، بدل‌: وَفُومِهَا وفي‌ قراءته‌: وَأَقِيمُوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ، بدلاً من‌: وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ. وفي‌ مصحف‌ أُبيّ بن‌ كعب‌: فَمَنْ حَجَّ الْبَيْتَ أَوِ اعْتَمَرَ فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْهِ أَلاَّ يَطَّوَّفَ بِهِمَا، بدلاً من‌: أَن‌ يَطَّوَّفَ بِهِمَا.

 لكنّ أيّاً من‌ هذه‌ القراءات‌ ليس‌ معتبراً عندنا، لا نّها آخبار آحاد نحتمل‌ صدقها كما نحتمل‌ كذبها. ومع‌ أ نّنا نقوم‌ بإثباتها بأدلّة‌ حجّيّة‌ خبر الواحد بواسطة‌ كون‌ سلسلة‌ رواتها من‌ الثقات‌، إلاّ أنّ أدلّة‌ الحجّيّة‌ لا تولّد إلیقين‌ لدينا، ولا تنفع‌ في‌ الاُمور إلیقينيّة‌. أجل‌، فقد كانت‌ تلك‌ القراءات‌ معتبرة‌ لاهل‌ ذلك‌ العصر، لا نّها كانت‌ تعدّ متواترة‌ لديهم‌.

 وبصورة‌ عامّة‌، فإنّ جميع‌ القراءات‌ التي‌ تنقل‌ إلیوم‌ لا تمثّل‌ أكثر من‌ أخبار آحاد، ولذلك‌ فهي‌ ليست‌ حجّة‌. ولو أنّنا قرأنا القرآن‌ بتلك‌ القراءات‌ لارتكبنا معصية‌ فضلاً عن‌ حرماننا من‌ الاجر والثواب‌، لا نّنا سنكون‌ قد قرأنا شيئاً لاتزال‌ قرآنيّته‌ مشكوكة‌ لدينا، بعنوان‌ قرآن‌.

 أمّا القراءة‌ المتواترة‌ لدينا إلیوم‌، فهي‌ منحصرة‌ في‌ مصحف‌ زيد بن‌ ثابت‌. وقد قال‌ العلاّمة‌ في‌ « التذكرة‌ » في‌ باب‌ القراءة‌ بأنّ هذه‌ القراءة‌ من‌ مصحف‌ أمير المؤمنين‌ عليه‌ السلام‌ الذي‌ أبقاه‌ عثمان‌ وأحرق‌ ما سواه‌. وهذا القول‌ لا يُنافي‌ القول‌ بأن‌ زيد بن‌ ثابت‌ قد أُمر بجمع‌ القرآن‌، لانّ ما كتبه‌ زيد كان‌ موافقاً لقرآن‌ الإمام‌. [28]

 أقول‌: وكذلك‌ لايتنافي‌ مع‌ ما رواه‌ الشيعة‌ والعامّة‌ من‌ أنّ أمير المؤمنين‌ عليه‌ السلام‌ عرض‌ مصحفه‌ عليهم‌ فلم‌ يقبلوا به‌، لانّ عدم‌ قبولهم‌ للمصحف‌، هو غير مطابقة‌ مصحف‌ زيد بن‌ ثابت‌ في‌ هذا الجمع‌ للقرآن‌ مع‌ مصحف‌ الإمام‌، فقد بقي‌ مصحف‌ الإمام‌ عنده‌، لكنّ القراءة‌ ( التي‌ أثبتها زيد ) كانت‌ مطابقة‌ لقراءة‌ الإمام‌.

 وقد أوردنا في‌ هذا الشأن‌ كلاماً للعلاّمة‌ الاُستاذ قدّس‌ الله‌ سرّه‌ الشريف‌ في‌ كتابنا « الشمس‌ الساطعة‌ » جاء فيه‌:

 أمیر المؤمنین یحمل مصحفه علی بعیر و یأتی به إلی المسجد

« وقد ورد في‌ أحد التواريخ‌، ولعلّه‌ « تاريخ‌ إلیعقوبيّ » ( لا يحضرني‌ ذلك‌ تماماً ) أنّ أمير المؤمنين‌ سلام‌ الله‌ عليه‌ لم‌ يخرج‌ من‌ منزله‌ بعد ارتحال‌ الرسول‌ الاكرم‌ صلّي‌ الله‌ عليه‌ وآله‌ وسلّم‌، فذهب‌ إلیه‌ عدّة‌ من‌ وجوه‌ الصحابة‌ واستفسروا منه‌ عن‌ علّة‌ عدم‌ خروجه‌ وعدم‌ ذهابه‌ إلی‌ المسجد للالتحاق‌ بجماعة‌ المسلمين‌، فقال‌ بأ نّه‌ أقسم‌ ألاّ يضع‌ رداءه‌علی عاتقه‌ إلاّ بعد أن‌ يتمّ تنظيم‌ القرآن‌ وينظّم‌ تفسيره‌ وتأويله‌. ثمّ إنّه‌ عليه‌ السلام‌ نظّم‌ القرآن‌ ورتّبه‌ حسب‌ ترتيب‌ نزوله‌ في‌ مدّة‌ ستّة‌ أشهر.

 فكانت‌ أوّل‌ سورة‌ ـ حسب‌ ترتيب‌ الإمام‌ ـ هي‌ سورة‌ إقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذي‌ خَلَقَ، وجعل‌ خاتمته‌ آخر سورة‌ نزلت‌علی رسول‌ الله‌، مثل‌ سورة‌ المائدة‌. فتكون‌ سورة‌ البقرة‌ التي‌ نزلت‌ في‌ المدينة‌ في‌ آخر القرآن‌. أمّا السور القصار في‌ آخر القرآن‌، والتي‌ نزلت‌ أغلبها في‌ مكّة‌، فإنّ موضعها كان‌ في‌ أوّل‌ القرآن‌.

 ومن‌ خصائص‌ هذا المصحف‌، مضافاً إلی‌ ترتيب‌ السور والآيات‌ حسب‌ ترتيب‌ نزولها، أنّ شأن‌ الآيات‌ والسور قد ذُكر فيه[29]‌. وبذلك‌ فقد كان‌ سبب‌ نزول‌ كلّ آية‌ أو سورة‌ نزلت‌ في‌ وقت‌ معيّن‌، قد شُخصّ في‌ ذلك‌ القرآن‌، فكانت‌ السورة‌ تمتاز عن‌ السور التي‌ سبقتها في‌ النزول‌ وعن‌ التي‌ أعقبتها في‌ ذلك‌. وتقع‌ هذه‌ السور في‌ وسط‌ القرآن‌.

 أجل‌، فقد نظّم‌ أمير المؤمنين‌ عليه‌ السلام‌ المصحف‌ بهذه‌ الكيفيّة‌، حتّي‌ بلغ‌ به‌ الامر إلی‌ تشخيص‌ بعض‌ النواحي‌ التفسيريّة‌ والتأويليّة‌، حتّي‌ أتمّه‌ بعد ستّة‌ أشهر، فحمله‌علی بعير وجاء به‌ إلی‌ باب‌ المسجد ـ وكان‌ فيه‌ جمعٌ من‌ الصحابة‌ فقال‌: هَذَا هُوَ قُرْآنُكُمْ! قد جمعتُه‌ وجئتُ به‌ فلم‌ يلتفتوا إلی‌ كلامه‌، فأعاده‌ إلی‌ منزله‌، ولم‌ يرد بعد ذلك‌ له‌ خبر.

 وهذا هو محصّل‌ ما جاء في‌ روايات‌ العامّة‌[30]. أمّا روايات‌ الخاصّة‌ فقد جاء فيها أ نّه‌ عليه‌ السلام‌ حمل‌ القرآن‌علی بعير وجاء به‌ إلی‌ المسجد فقال‌: هذا هو قرآنكم‌! فقالوا له‌: لا حاجةَ لنا بقرآنك‌! ولم‌ يلتفتوا إلیه‌، فعطف‌ الإمام‌ زمام‌ بعيره‌ وعاد إلی‌ المنزل‌ وقال‌: أَمَا إِنَّكُمْ لَنْ تَرُونَهُ إلَی يَوْمِ القِيَامَةِ! [31]

 أجل‌، فقد كان‌ شأن‌ النزول‌ في‌ ذلك‌ المصحف‌ قد بُيّن‌ إلی‌ حدٍّ ما، وكان‌ يظهر موقع‌ كلّ آية‌، وموقع‌ الآيات‌ التي‌ تسبقها والتي‌ تليها في‌ النزول‌، ويبدو أنّ هذه‌ الاُمور كانت‌ مبيّنة‌ فيه‌.

 كما يبدو أنّ في‌ مكّة‌ والمدينة‌ في‌ الوقت‌ الحاضر أشخاص‌ منهمكون‌ في‌ تإلیف‌ تفسيرين‌ للقرآن‌ حسب‌ ترتيب‌ النزول‌، وقد شاهدت‌ قدراً من‌ ذلك‌ العمل‌، إلاّ أنّ هناك‌ إشكالاً في‌ نفس‌ الروايات‌ الموجودة‌ في‌ أيدي‌ العامّة‌ والتي‌ ورد فيها شأن‌ النزول‌، لانّ هناك‌ ثلاث‌ روايات‌ وردت‌ عن‌ العامّة‌ في‌ شأن‌ النزول‌ تختلف‌ فيما بينها ولكلٍّ من‌ هذه‌ الروايات‌ أُسلوب‌ خاصّ بها.

 أجل‌، فهناك‌ مطالب‌ عن‌ كيفيّة‌ التنظيم‌ والقراءة‌ وشأن‌ النزول‌ في‌ مصحف‌ أمير المؤمنين‌ عليه‌ السلام‌ مدوّنة‌ في‌ تفسير... ( لاحد المفسّرين‌، وتفسيره‌ يقع‌ في‌ مجلّد واحد، وقد ذكر فيه‌ قدراً من‌ مطاعن‌ عثمان‌ ومعاوية‌ وغيرهما ). [32]

 الرجوع الي الفهرس

مصحف عثمان کان مورد إمضاء الأئمة، و هو کمصحف علی مقدارا

 بَيدَ أنّ الائمّة‌ الطاهرين‌ سـلام‌ الله‌ عليهم‌ لمّا أقرّوا المصـحف‌ الذي‌ جمعه‌ عثمان‌علی يد زيد بن‌ ثابت‌ وفقاً لقراءة‌ أمير المؤمنين‌ عليه‌ السلام‌، وأمروا بقراءته‌، فإنّنا موظّفون‌ بقراءته‌. ولا يختلف‌ القرآن‌ الفعليّ الذي‌ في‌ أيدينا، والذي‌ جُمع‌علی يد عثمان‌، عن‌ مصحف‌ أمير المؤمنين‌ عليه‌ السلام‌ أيّ اختلاف‌ في‌ عدد السور والآيات‌. وعلماء الشيعة‌ والعامّة‌ مُجمعون‌ ومتّفقون‌علی أنّ القرآن‌ كامل‌ لم‌ تسقط‌ منه‌ ولم‌ يُزاد فيه‌ آية‌ أو كلمة‌. أمّا عدم‌ وجود مصحف‌ أمير المؤمنين‌ عليه‌ السلام‌ في‌ متناول‌ إلید، فمع‌ أ نّه‌ سيُلحق‌ ضرراً من‌ جهة‌ عدم‌ الاطّلاع‌علی شأن‌ النزول‌ والموارد النازلة‌ في‌ القرآن‌، وعدم‌ الاطّلاع‌علی التأويل‌ والتفسير، وعلي‌ ترتيب‌ النزول‌ وتقدّم‌ الآيات‌ والسور وتأخّرها، وهو أمر يؤدّي‌ في‌ النتيجة‌علی عدم‌ الاطّلاع‌علی العلوم‌ القرآنيّة‌ ويصعّب‌ أمر اتّساعها، إلاّ أ نّه‌ ليس‌ فيه‌ أيّ تفاوت‌، بلحاظ‌ فنّ أهل‌ البيت‌ عليهم‌ السلام‌ ومنهجهم‌ في‌ التفسير، وهو تفسير الآية‌ بالآية‌، إذ بناءًعلی هذه‌ الطريقة‌، فإنّ كلّ آية‌ يجب‌ أن‌ تُفهم‌ من‌ الآيات‌ الاُخري‌ ومن‌ خلال‌ المقارنة‌ بين‌ تلك‌ الآيات‌. وعلي‌ من‌ يحاول‌ الحصول‌علی علم‌ بمغزي‌ القرآن‌ وتفسيره‌ أن‌ ينظر إلی‌ جميع‌ الآيات‌ الواردة‌ في‌ ذلك‌ الخصوص‌، فلا يختلف‌ الامر ـ بناءًعلی ذلك‌ سواء علم‌ بشأن‌ النزول‌ أم‌ لم‌ يعلم‌.

 وقد كان‌ هذا الامر المهمّ مورد نظر والتفات‌ أئمّة‌ أهل‌ البيت‌ عليهم‌ السلام‌، وعلي‌ هذا الاساس‌ فقد أقرّوا هذه‌ القراءة‌، وأمروا باتّباعها، وكانوا خلال‌ احتجاجاتهم‌ واستشهاداتهم‌ يستدلّون‌ بهذه‌ الآيات‌ وبهذه‌ القراءة‌. [33]

 الرجوع الي الفهرس

 عدم جواز قراءة القرآن بقراءة غیر متواترة

أجل‌، فمن‌ جهة‌ الحجّة‌ الشرعيّة‌، فإنّ جميع‌ القراءات‌ المتواترة‌ والرائجة‌ في‌ زمن‌ الرسول‌ الاكرم‌ صلّي‌ الله‌ عليه‌ وآله‌ وسلّم‌ لو بلغتنا إلیوم‌ بالتواتر، لاصبحنا مختارين‌ في‌ قراءة‌ القرآن‌ الكريم‌ بأيّة‌ واحدة‌ من‌ تلك‌ القراءات‌، سواء كانت‌ قراءة‌ ابن‌ مسعود أم‌ أُبيّ بن‌ كعب‌ أو غيرهما. أمّا أنّ تلك‌ القراءات‌ عدا القراءة‌ المشهورة‌ لمّا سقطت‌ عن‌ حدّ التواتر، فقد أضحت‌ تلك‌ القراءات‌ مشكوكة‌ لدينا ولا تمثّل‌ إلاّ أخبار آحاد.

 يقول‌ العلاّمة‌ الحلّيّ في‌ « التذكرة‌ » بأنّ قراءة‌ عبد الله‌ بن‌ مسعود وأُبيّ ابن‌ كعب‌ وأمثالهما غير جائزة‌ لنا بسبب‌ عدم‌ تواترها.

 ولقد كان‌ سعيد بن‌ جُبير يتلو القرآن‌ بجميع‌ القراءات‌، ولم‌ يكن‌ يتبنّي‌ قراءة‌ معيّنة‌، لانّ جميع‌ تلك‌ القراءات‌ كانت‌ متواترة‌ لديه‌. وقد ورد في‌ قراءة‌ ابن‌ عبّاس‌ وأُبيّ بن‌ كعب‌ وابن‌ مسعود في‌ الآية‌ 24 من‌ سورة‌ النساء: « فَمَا اسْتَمْتَعْتُمْ بِهِ مِنْهُنَّ إلَی أَجَلٍ مُسَمًّي‌ فَـَاتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ »[34]، وهي‌ قراءة‌ غير جائزة‌ لنا.

القرآن الذی یقرأ الیوم بقراءة عاصم هو قراءة أمیر المؤمنین علیه السلام

 وقد ذكر آية‌ الله‌ الشعرانيّ رحمة‌ الله‌ عليه‌ مطالب‌ حول‌ القرآن‌ المشهور الذي‌ يُقرأ فعلاً، ومطابقته‌ لقراءة‌ أمير المؤمنين‌ عليه‌ السلام‌، وعن‌ عدم‌ وجود نقص‌ أو تحريف‌ في‌ القرآن‌، نبادر إلی‌ ذكرها لمطابقتها نظر الحقير؛ حيث‌ يقول‌:

 « لقد نشأ التوهّم‌ بوجود نقص‌ أو تحريف‌ في‌ القرآن‌ منذ زمن‌ عثمان‌، فقد أراد جمع‌ الناس‌علی قراءة‌ واحدة‌، فأحرق‌ المصاحف‌ الاُخري‌، فحصل‌ التوهّم‌ بأنّ قدراً من‌ القرآن‌ قد ضاع‌ خلال‌ إحراق‌ المصاحف‌، بَيدَ أنّ سنخ‌ تلك‌ القراءات‌ المحروقة‌ موجود فعلاً. ونحن‌ نعلم‌ الحدّ الذي‌ كانت‌ المصاحف‌ تختلف‌ فيه‌ في‌ القراءة‌. وعلي‌ أيّة‌ حال‌، فإنّ احتمال‌ وجود نقص‌ أو تحريف‌ في‌ القرآن‌ هو احتمال‌ سخيف‌، وقال‌ به‌ البعض‌ سَفَهاً.

 وقد أبطل‌ السيّد المرتضي‌ هذا القول‌ بالبرهان‌، وقد ذُكر ذلك‌ في‌ « مجمع‌ البيان‌ » و « التبيان‌ » وسائر الكتب‌. بل‌ إنّ هذا القول‌ لم‌ يوجد أساساً لدي‌ الطبقة‌ الوسطي‌ من‌ علمائنا، مثل‌ العلاّمة‌ والشهيد والمحقّق‌. ويقول‌ الشيخ‌ الصدوق‌: إنّ من‌ ينسب‌ إلینا القول‌ بنقصان‌ القرآن‌ كاذب‌ مفترٍ، ونحن‌ لا نقول‌ بهذا أبداً.

 وحسب‌ قول‌ العلاّمة‌ رحمه‌ الله‌ في‌ « التذكرة‌ »، فإنّ مصحف‌ أمير المؤمنين‌ عليه‌ السلام‌ الذي‌ جمعه‌ بعد ارتحال‌ النبي‌ّ، هو المصحف‌ المتداول‌ حإلیاً بيننا، وأمّا المصاحف‌ الاُخري‌ فقد أحرقها عثمان‌.

 وينقل‌ الطبرسيّ في‌ « مجمع‌ البيان‌ » في‌ سورة‌ التحريم‌ عن‌ أبي‌ بكر ابن‌ عيّاش‌ قوله‌: « إنّي‌ أدخلتها ( أي‌ الحروف‌ العشر ) في‌ قراءة‌ عاصم‌ من‌ قراءة‌ عليّ بن‌ أبي‌ طالب‌ عليه‌ السلام‌ حتّي‌ استخلصتُ قراءته‌، يعني‌ قراءة‌علی عليه‌ السلام‌ ». [35]

 وإحدي‌ موارد الاختلاف‌ هي‌ كلمة‌ عَرَّفَ في‌ الآية‌ الثالثة‌ من‌ سورة‌ التحريم‌، حيث‌ القراءة‌ المشهورة‌ بالتشديد، أمّا أبو بكر بن‌ عيّاش‌ فقد قرأها بالتخفيف‌.

 ويقول‌ ابن‌ النديم‌ في‌ « الفهرست‌ » في‌ قراءة‌ حفص‌: وَكَانَتِ القِرَاءَةُ الَّتِي‌ أَخَذَهَا عَنْ عَاصِمٍ مُرْتَفِعَةً إلَیعلی بْنِ أِبي‌ طَالِبٍ عَلَيْهِ السَّلاَمُ مِنْ رِوَايَةِ أَبِي‌ عَبْدِ الرَّحْمَنِ السُّلْمِي‌ِّ انتهي‌.

 وقراءة‌ حفص‌ هي‌ القراءة‌ المشهورة‌ المتداولة‌ حإلیاً، والتي‌ تكتب‌ المصاحف‌ وفقاً لها.

 فالقول‌ الصحيح‌ إنّ القراءة‌ المعروفة‌ الموجودة‌ في‌ أيدينا، والتي‌ نقلت‌ عن‌ عاصم‌، هي‌ قراءة‌ أمير المؤمنين‌ عليه‌ السلام‌ ».

 حتّي‌ يصل‌ إلی‌ قوله‌: « و أمّا قولهم‌ بأنّ أمير المؤمنين‌ أراد جمع‌ القرآن‌، فإنّهم‌ يقصدون‌ جمعه‌ للسور في‌ مجلّد واحد، وليس‌ جمع‌ الآيات‌ المتفرّقة‌ وتشكيل‌ سورة‌ منها. وكذلك‌ الحال‌ في‌ شأن‌ زيد بن‌ ثابت‌ وغيره‌، فقد كان‌ ترتيب‌ السور قد أنجز في‌ زمن‌ النبي‌ّ صلّي‌ الله‌ عليه‌ وآله‌ وسلّم‌، وقد جاء في‌ القرآن‌:

 فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِّن‌ مِّثْلِهِ؛ [36] فأْتُوا بِعَشْرِ سُوَرٍ مِّثْلِهِ مُفْتَرَيَـ'تٍ؛ [37] سُورَةٌ أَنزَلْنَـ'هَا. [38]

 كما تكرّر كثيراً في‌ أخبار الرسول‌ الاكرم‌ صلّي‌ الله‌ عليه‌ وآله‌ وسلّم‌ الشبيهة‌ بالدرر ذكر أسماء سور للقرآن‌ الكريم‌، وذكر فضائل‌ قراءتها، مثل‌ سورة‌ يس‌ وسورة‌ البقرة‌ وغير ذلك‌. [39]

 وينبغي‌ أن‌ نري‌ الآن‌ هل‌ نحن‌ موظّفون‌ إلیوم‌ أن‌ نقرأ القرآن‌ من‌ المصحف‌ الفعليّ حسب‌ قراءة‌ حفص‌ عن‌ عاصم‌ بن‌ أبي‌ عبد الرحمن‌ السلمي‌ّ عن‌ أمير المؤمنين‌ عليّ بن‌ أبي‌ طالب‌ عليه‌ السلام‌؛ أم‌ أ نّنا مختارون‌ في‌ القراءة‌، مخيّرون‌ بين‌ هذه‌ القراءة‌ وبين‌ إحدي‌ القراءات‌ الستّ الاُخري‌ التي‌ يقال‌ لمجموعها القراءات‌ السبع‌ المتواترة‌؟ أو مخيّرون‌ بين‌ هذه‌ القراءة‌ وبين‌ تسع‌ قراءات‌ أُخري‌ يعدّ مجموعها القراءات‌ العشر المتواترة‌ والشاذّة‌ المقبولة‌ المعروفة‌؟ تلك‌ مسألة‌ مهمّة‌ قد جري‌ بحث‌ جوانبها المختلفة‌ واختلفت‌ الآراء في‌ شأنها.

 الرجوع الي الفهرس

القراءات السبع المتواترة

 قال‌ السيوطيّ في‌ « الإتقان‌ »: « المشتهرون‌ بإقراء القرآن‌ من‌ الصحابة‌ سبعة‌: عُثمان‌، وعلی، و أُبيّ، و زيد بن‌ ثابت‌، و ابن‌ مسعود، و أبو الدرداء وأبو موسي‌ الاشعري‌ّ، كذا ذكرهم‌ الذهبيّ في‌ « طبقات‌ القرّاء ».

 ثمّ ذكر مَن‌ أخذ عنهم‌ من‌ المدينة‌ ومكّة‌ والكوفة‌ والبصرة‌ والشام‌ الذين‌ صاروا أئمّة‌ يُقتدي‌ بهم‌، ثمّ ذكر أسماءهم‌ واحداً فواحداً ثمّ قال‌: « واشتهر من‌ هؤلاء في‌ الآفاق‌ الائمّة‌ السبعة‌:

 نافع‌، وقد أخذ عن‌ سبعين‌ من‌ التابعين‌، منهم‌ أبو جعفر.

 و ابن‌ كثير، وأخذ عن‌ عبد الله‌ بن‌ السائب‌ الصحابي‌ّ.

 و أبو عمرو، وأخذ عن‌ التابعين‌.

 و ابن‌ عامر، وأخذ عن‌ أبي‌ الدرداء، وأصحاب‌ عثمان‌.

 و عاصم‌، وأخذ عن‌ التابعين‌.

 و الكسائي‌ّ، وأخذ عن‌ حمزة‌ وأبي‌ بكر بن‌ عيّاش‌.

 و حمزة‌؛[40] وأخذ عن‌ عاصم‌ والاعمش‌ والسَّبيعيّ ومنصور بن‌ المعتمر وغيره‌.

 ثمّ انتشرت‌ القراءات‌ في‌ الاقطار، وتفرّقوا أُمماً بعد أُمم‌، واشتهر من‌ رواة‌ كلّ طريق‌ من‌ طرق‌ السبعة‌ راويان‌:

 فعن‌ نافع‌: قالون‌ وورش‌، عنه‌.

 وعن‌ ابن‌ كثير: قَنْبل‌ والبزّي‌ّ، عن‌ أصحابه‌، عنه‌.

 وعن‌ أبي‌ عمرو: الدوريّ والسوسي‌ّ، عن‌ إلیزيدي‌ّ، عنه‌.

 وعن‌ ابن‌ عامر: هشام‌ وابن‌ ذكوان‌ عن‌ أصحابه‌، عنه‌.

 وعن‌ عاصم‌: أبو بكر بن‌ عيّاش‌، و حفص‌، عنه‌.

 وعن‌ حمزة‌:[41] خَلَفَ وخَلاّد، عن‌ سليم‌، عنه‌.

 وعن‌ الكسائي‌ّ:[42] الدوريّ، وأبو الحارث‌. [43]

 الرجوع الي الفهرس

تتمة النص

الصفحة الاولي للموقع فهرس الكتب الفهرس الموضوعي الفحص

إرجاعات


[1] ـ «نهج‌ البلاغة‌» الخطبة‌ 181، وفي‌ طبعة‌ مصر، تعليق‌ الشيخ‌ محمّد عبده‌ ج‌ 1، ص‌ 346؛ وفي‌ «شرح‌ نهج‌ البلاغة‌» لابن‌ أبي‌ الحـديد، طبعة‌ دار إحيـاء الكتب‌ العـربيّة‌، ج‌ 10، ص‌ 115.

[2] ـ «شرح‌ نهج‌ البلاغة‌» لابن‌ أبي‌ الحديد، ج‌ 10، ص‌ 117 و 118، طبعة‌ دار إحياء الكتب‌ العربيّة‌.

[3] ـ حاضرين‌، بلدة‌ من‌ نواحي‌ صفّين‌.

[4] ـ روي‌ المجلسيّ في‌ «بحار الانوار» ج‌ 92، ص‌ 106 و 107، الطبعة‌ الحروفيّة‌، باب‌ فضل‌ التدبّر في‌ القرآن‌، عن‌ «مُنية‌ المريد» عن‌ عبد الرحمن‌ السلميّ، قال‌: حَدَّثَنا مَنْ كَانَ يُقْرِئُنَا مِنَ الصَّحَابَةِ: أَنـَّهُمْ كَانُوا يَأْخُذُونَ مِنْ رَسُولِ اللَهِ صَلَّي‌ اللَهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ عَشَرَ آيَاتٍ، فَلاَ يَأْخُذُونَ فِي‌ العَشَرِ الاُخَرِ حَتَّي‌ يَعْلَمُوا مَا فِي‌ هَذِهِ مِنَ العِلْمِ وَالعَمَلِ.

 وعن‌ ابن‌ عبّاس‌ قال‌: الذي‌ يقرأ القرآن‌ ولا يُحسن‌ تفسيره‌، كالاعرابيّ الذي‌ يُهذّ الشعر هَذّاً.

 وعن‌ «أسرار الصلاة‌» للشهيد الثاني‌: رُوي‌ أنّ رجلاً جاء إلي‌ النبي‌ّ صلّي‌ الله‌ عليه‌ وآله‌ وسلّم‌ ليعلّمه‌ القرآن‌، فانتهي‌ إلي‌ قوله‌ تعالي‌: فَمَن‌ يَعْمَلْ مِثقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ و * وَمَن‌ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ، فقال‌: يكفيني‌ هذا، وانصرف‌. فقال‌ رسول‌ الله‌ صلّي‌ الله‌ عليه‌ وآله‌ وسلّم‌: انْصَرَفَ الرَّجُلُ وَهُوَ فَقِيهٌ.

[5] ـ «نهج‌ البلاغة‌» ج‌ 2، باب‌ الرسائل‌، الرسالة‌ 31؛ وفي‌ طبعة‌ مصر، تعليق‌ الشيخ‌ محمّد عبده‌، ج‌ 2، ص‌ 41 و 42.

[6] ـ «الصحيفة‌ السجّاديّة‌» الدعاء الثاني‌ والاربعون‌، فقرات‌ مقتطفة‌ من‌ الدعاء؛ وقد أوردنا فقرات‌ أُخري‌ من‌ هذا الدعاء الشريف‌ في‌ الجزء الثاني‌ من‌ هذا الكتاب‌ «نور ملكوت‌ القرآن‌» البحث‌ السادس‌.

[7] ـ يقول‌: «حتّي‌ لو تلـوتَ القـرآن‌ بأربـع‌ عشـرة‌ روايـة‌ (وهـي‌ الروايات‌ للقـرّاء المعروفين‌) كما يفعل‌ حافظ‌، فإنّ علي‌ العشق‌ أن‌ يُغيثك‌ (لبلوغ‌ الكمال‌)».

[8] ـ يقول‌: «اشرب‌ الخمرة‌ يا حافظ‌ وتدروش‌ واسعد، لكن‌ لا تجعل‌ القرآن‌ ـ كما يفعل‌ الآخرون‌ أحبولة‌ تزوير وخداع‌».

[9] ـ يقول‌: «يا من‌ أنشبتَ مخالبك‌ في‌ قلب‌ حافظ‌، فتلطّختْ بدمه‌، ألا تخشي‌ غضب‌ الله‌ وغيرة‌ القرآن‌ (بقتلك‌ حافظ‌ القرآن‌)؟».

[10] ـ يقول‌: «يا حافظ‌! بحقّ القرآن‌ عليك‌، اترك‌ المكر والرياء، فعلّك‌ تكسب‌ عصا السبق‌ في‌ هذا العالم‌!».

[11] ـ يقول‌: «ماذا يضير إذا لم‌ يفهم‌ الزاهد (المُرائيّ) دروشة‌ حافظ‌، فالشيطان‌ يهرب‌ من‌ قارئي‌ القرآن‌!».

[12] ـ يقول‌: «لا تغتمّ يا حافظ‌ في‌ عُزلة‌ الفقر وخلوة‌ الليل‌ البهيم‌ مادام‌ وِردك‌ الدعاء ودرسك‌ القرآن‌!».

[13] ـ يقول‌: «سألتُه‌: مِن‌ أجل‌ إراقةِ دم‌ مَن‌ عقفتَ ذؤابتك‌؟ قال‌: القصّة‌ طويلة‌، فلا تَسلْ يا حافظ‌ بحقّ القرآن‌!».

[14] ـ يقول‌: «إنّ أيّ حافظ‌ للقرآن‌ تحت‌ استدارة‌ محراب‌ الفَلَك‌، لم‌ يتنعّم‌ مثلي‌ ببركة‌ القرآن‌ وسُلطانه‌».

[15] ـ يقول‌: «هلمّ معنا ولا تُعادِنا كلّ هذا العِداء، لانّ لنا حقّ الصُّحبة‌ القديمة‌ معك‌.

 واستمع‌ النُّصح‌، فهذه‌ الدرّة‌ التي‌ معنا أغلي‌ بكثير من‌ الجوهرة‌ التي‌ في‌ خزانتك‌.

 وباللهِ عليك‌ أنجِد الثمالي‌ المفلسينَ إن‌ كان‌ لديْكَ ثمّة‌ بقيّة‌ من‌ خمر البارحة‌».

[16] ـ يقول‌: «ولكن‌ أنّي‌ أن‌ تُسفر للدراويش‌ عن‌ مُحيّاك‌، إذ الشمس‌ والقمر مرآتك‌ (التي‌ تعكس‌ جمالك‌).

 فحذارِ لا تطعن‌ في‌ الدراويش‌ أيـّها الشيخ‌، لا نّك‌ بذلك‌ ستُعادي‌ حُكم‌ الله‌ وتقديره‌.

 (و يا عجباً) ألا تخشي‌ من‌ آهي‌ المحرقة‌ وأنت‌ تعلم‌ أنّ خرقتك‌ من‌ الصوف‌ (الذي‌ يشتعل‌ بسرعة‌)؟

 لم‌ أرَ أروع‌ من‌ شعرك‌ يا حافظ‌ ولا أبدع‌، إلاّ القرآن‌ الذي‌ تحفظه‌ في‌ صدرك‌!».

 والاشعار التي‌ أوردناها لحافظ‌ هي‌ علي‌ الترتيب‌ الاشعار الغزليّة‌ رقم‌ 99، 60، 69، 159، 200، 264، 280، 332 و 462 من‌ «ديوان‌ حافظ‌» طبعة‌ مؤسّسة‌ انتشارات‌ أمير كبير، طهران‌، 1363 ه. ش‌، حيث‌ تتطابق‌ في‌ هذا الديوان‌ أرقام‌ الصفحات‌ مع‌ أرقام‌ الاشعار الغزليّة‌.

 وقد ذُكر في‌ ترجمة‌ حافظ‌ أ نّه‌ كان‌ يحضر كلّ صباح‌ درس‌ الحكيم‌ والمتكلّم‌ في‌ ذلك‌ العصر؛ مير سيّد شريف‌ الجُرجانيّ، فكان‌ الاُستاذ يسأله‌: ما الذي‌ جئتنا به‌ هديّة‌ من‌ حالاتك‌ البارحة‌؟ يقصد بذلك‌ الشعر الغزليّ الذي‌ أنشده‌ حافظ‌. وكان‌ حافظ‌ يدرّس‌ تفسير «الكشّاف‌» عادةً، وكان‌ مفسِّراً رفيع‌ القدر، وكانت‌ لغة‌ شعره‌ لغةً رمزيّة‌، وكان‌ لذلك‌ يفهم‌ دقائق‌ القرآن‌ ولطائفه‌ ويدركها جيّداً، وكان‌ يملا لغته‌ الرمزيّة‌ بمنعطفات‌ الكنايات‌ والاستعارات‌ حتّي‌ كأ نّه‌ كان‌ يستمدّ الاءلهام‌ من‌ الغَيب‌. وقد سُمّي‌ ديوانه‌ لهذا السبب‌ ب «لسان‌ الغيب‌».

 انظروا إلي‌ الآية‌ المبـاركة‌ في‌ سورة‌ المـزمّل‌: إِنَّ نَاشِـئَةَ الَّيْلِ هِيَ أَشَدُّ وَطْـًا وَأَقْوَمُ قِيلاً * إِنَّ لَكَ فِي‌ النَّهَارِ سَبْحًا طَوِيلاً التي‌ تبيّن‌ بأنّ الليل‌ هو وقت‌ الخلوة‌ والعبادة‌، وأنّ النهار وقت‌ العمل‌ والسعي‌ والجدّ في‌ أُمور المعيشة‌، كيف‌ أنّ حافظ‌ يضمّن‌ هذه‌ المعاني‌ ببيان‌ بديع‌ وجميل‌ في‌ هذين‌ البيتين‌:

 روز در كسب‌ هنر كوش‌ كه‌ مي‌ خوردن‌ روز دلِ چون‌ آينه‌ در زنگ‌ ظلام‌ اندازد

 آن‌ زمان‌ وقتِ مِي‌ صبح‌ فروغ‌ است‌ كه‌ شب‌ گِرد خرگاه‌ افق‌ پردة‌ شام‌ اندازد

 يقول‌: «اسعَ في‌ النهار لكسب‌ الحرفة‌ والفنّ، إذ إنّ شرب‌ الخمرة‌ نهاراً يُظلم‌ القلب‌ كما يُظلم‌ الصدأ المرآة‌.

 أمّا وقت‌ الخمرة‌ المشعّة‌ كبلج‌ الصُّبح‌، فحين‌ يلقي‌ الليل‌ بستار ظُلمته‌ حول‌ خيمة‌ الاُفق‌».

[17] ـ الآية‌ 19، من‌ السورة‌ 6: الانعام‌.

[18] ـ الكتاب‌ مؤلّف‌ زمن‌ حياته‌ قُدّس‌ سرّه‌. وقد حافظنا علي‌ تعبير المصنّف‌ قدّس‌ سرّه‌. (م‌)

[19] ـ «البيان‌ في‌ تفسير القرآن‌» ص‌ 92: نظرةٌ في‌ القراءآت‌، الطبعة‌ الاُولي‌، النجف‌ الاشرف‌.

[20] ـ يقول‌ السيوطيّ في‌ «الاءتقان‌» ج‌ 1، ص‌ 90، الطبعة‌ الاُولي‌:

 «وأخرج‌ ابن‌ أبي‌ داود بسند حسن‌ عن‌ محمّد بن‌ كعب‌ القرظيّ قال‌: جَمع‌ القرآن‌ علي‌ عهد رسول‌ الله‌ صلّي‌ الله‌ عليه‌ ] وآله‌ [ وسلّم‌ خمسةٌ من‌ الانصار: مَعاذ بن‌ جَبَل‌، وعبادة‌ بن‌ الصامت‌، وأُبيّ بن‌ كعب‌، وأبو الدرداء، وأبو أيـّوب‌ الانصاري‌ّ».

 وقال‌ آية‌ الله‌ السيّد حسن‌ الصدر في‌ كتاب‌ «تأسيس‌ الشيعة‌ لعلوم‌ الاءسلام‌» ص‌ 323 و 324 ضمن‌ بيان‌ مفسّري‌ الشيعة‌ من‌ الطبقة‌ الاُولي‌:

 «ومنهم‌ أُبيّ بن‌ كعب‌ سيّد القرّاء الصحابيّ، عدّه‌ أبو الخير في‌ الطبقة‌ الاُولي‌ من‌ المفسّرين‌، وكذلك‌ الجلال‌ السيوطيّ وغيره‌ عدّوه‌ في‌ المفسّرين‌ من‌ الصحابة‌. وهو من‌ الشيعة‌ كما في‌ «الدرجات‌ الرفيعة‌ في‌ طبقات‌ الشيعة‌» للسيّد علي‌ بن‌ صدر الدين‌ المدنيّ طاب‌ ثراه‌، وأكثر من‌ الدلالات‌ والشواهد علي‌ تشيّعه‌. قال‌: وهو أحد الاثني‌ عشر الذين‌ أنكروا علي‌ أبي‌ بكر تقدّمه‌ علي‌ عليّ بن‌ أبي‌ طالب‌؛ وذكر القصّة‌. وذكره‌ ابن‌ شحنة‌ في‌ تأريخه‌ فيمن‌ تخلّف‌ عن‌ البيعة‌ مع‌ عليّ عليه‌ السلام‌. ويكفي‌ في‌ جلالته‌ قول‌ مولانا وسيّدنا أبي‌ عبد الله‌ جعفر بن‌ محمّد الصادق‌ عليهما السلام‌: أَمَّا نَحْنُ فَنَقْرَأُ عَلَي‌ قِرَاءَةِ أُبَي‌ٍّ؛ رواه‌ ثقة‌ الاءسلام‌ أبو جعفر الكليني‌ّ قدّس‌ سره‌ وفي‌ «الامالي‌» للشيخ‌ أبي‌ جعفر محمّد بن‌ علي‌ّ بن‌ بابويه‌ و«الخلاصة‌» للعلاّمة‌، ما يدلّ علي‌ جلالته‌ وإخلاصه‌ لاهل‌ البيت‌. وعدّه‌ السيّد في‌ «الدرجات‌ الرفيعة‌» من‌ الطبقة‌ الاُولي‌ من‌ الشيعة‌، وعدّه‌ السيّد المحقّق‌ المحسن‌ بن‌ الحسن‌ الاعرجيّ في‌ «عدّة‌ الرجال‌» عند سرده‌ للصحابة‌ الشيعة‌ في‌ المرضيّين‌ منهم‌». إلي‌ آخر ما أفاده‌.

[21] ـ قال‌ سماحة‌ الاُستاذ: آية‌ الله‌ العلاّمة‌ الطباطبائيّ قدّس‌ الله‌ سرّه‌ في‌ كتاب‌ «قرآن‌ در اسلام‌» (= القرآن‌ في‌ الاءسلام‌) ص‌ 121: «الطبقة‌ الاُولي‌ من‌ طبقات‌ القرّاء هم‌ الصحابة‌ الذين‌ اشتغلوا بتعلّم‌ القرآن‌ وتعليمه‌ في‌ عهد النبي‌ّ الاكرم‌ صلّي‌ الله‌ عليه‌ وآله‌ وسلّم‌، وكان‌ جماعة‌ منهم‌ قد جمعوا القرآن‌ كلّه‌، ومن‌ بينهم‌ امرأة‌ تُسمّي‌ أُمّ ورقة‌ بنت‌ عبد الله‌ بن‌ الحارث‌ («الاءتقان‌» ج‌ 1، ص‌ 74 ).

 والمراد بجمع‌ القرآن‌ الذي‌ نُسب‌ في‌ بعض‌ الاحاديث‌ إلي‌ أربعة‌ من‌ الانصار، وإلي‌ خمسة‌، وإلي‌ ستّة‌، وإلي‌ أكثر من‌ ذلك‌، هو تعلّم‌ وحفظ‌ جميع‌ القرآن‌، وليس‌ تأليف‌ سوره‌ وآياته‌ وترتيبها، وإلاّ لما كان‌ هناك‌ مدعاة‌ لجمع‌ المصحف‌ في‌ عهدَي‌ الخليفة‌ الاوّل‌ والخليفة‌ الثالث‌. كما ورد في‌ بعض‌ الروايات‌ أنّ الرسول‌ الاكرم‌ كان‌ يعيّن‌ بنفسه‌ موضع‌ كلّ سورة‌ وكلّ آية‌ من‌ آيات‌ القرآن‌ الكريم‌، وهو مطلب‌ تكذّبه‌ باقي‌ الروايات‌ عموماً».

[22] ـ يقول‌ السيوطيّ في‌ «الاءتقان‌» ج‌ 1، ص‌ 89، الطبعة‌ الاُولي‌: «قال‌ القرطبي‌ّ: قد قُتل‌ يوم‌ اليمامة‌ سبعون‌ من‌ القرّاء، وقُتل‌ في‌ عهد النبي‌ّ صلّي‌ الله‌ عليه‌ ] وآله‌ [ وسلّم‌ ببئر معونة‌ مثل‌ هذا العدد».

[23] ـ يقول‌ السيوطيّ في‌ «الاءتقان‌» ص‌ 90، الطبعة‌ الاُولي‌: «أخرج‌ ابن‌ أشتة‌ في‌ «المصاحف‌» بسند صحيح‌ عن‌ محمّد بن‌ سيرين‌ قال‌: مات‌ أبو بكر ولم‌ يُجمع‌ القرآن‌، وقُتل‌ عمر ولم‌ يُجمع‌ القرآن‌. قال‌ ابن‌ أشتة‌: قال‌ بعضهم‌: يعني‌ (ابن‌ سيرين‌): لم‌ يقرأ جميع‌ القرآن‌ حفظاً. وقال‌ بعضهم‌: هو جمع‌ المصاحف‌».

[24] ـ يقول‌ ابن‌ خلدون‌ في‌ مقدّمته‌: «ثمّ إنّ الصحابة‌ كلّهم‌ لم‌ يكونوا أهل‌ فتيا، ولا كان‌ الدين‌ يؤخذ عن‌ جميعهم‌، وإنّما كان‌ ذلك‌ مختصّاً بالحاملين‌ للقرآن‌ العارفين‌ بناسخه‌ ومنسوخه‌ ومتشابهه‌ ومحكمه‌ وسائر دلالاته‌ بما تلقّوه‌ من‌ النبي‌ّ صلّي‌ الله‌ عليه‌ ] وآله‌ [ وسلّم‌، أو ممّن‌ سمعه‌ منهم‌ من‌ علّيتهم‌، وكان‌ يسمّون‌ لذلك‌: القرّاء، أي‌ الذين‌ يقرأون‌ الكتاب‌، لانّ العرب‌ كانت‌ أُمّة‌ أُميّة‌؛ فاختصّ من‌ كان‌ منهم‌ قارئاً للكتاب‌ بذلك‌ الاسم‌ لغرابته‌، وبقي‌ الامر كذلك‌ صدر الملّة‌». («مقدّمة‌ ابن‌ خلدون‌» ص‌ 446، طبعة‌ بيروت‌).

[25] ـ «قرآن‌ در اسلام‌» (= القرآن‌ في‌ الاءسلام‌) للعلاّمة‌ الطباطبائيّ، ص‌ 127، طبعة‌ دار الكتب‌ الاءسلاميّة‌، 1391 هجريّة‌ قمريّة‌.

[26] ـ نقل‌ في‌ «الميزان‌» ج‌ 12، ص‌ 125، الفصل‌ الخامس‌، عن‌ «تاريخ‌ اليعقوبي‌ّ»: «وكان‌ ابن‌ مسـعود بالكوفة‌، فامتنع‌ أن‌ يدفـع‌ بمصحفه‌ إلي‌ عبد الله‌ بن‌ عامر، وكتب‌ ] إليه‌ [ عثمان‌ أن‌ أشخصه‌ إن‌ لم‌ يكن‌ هذا الدين‌ خبالاً وهذه‌ الاُمّة‌ فساداً؛ فدخل‌ المسجد وعثمان‌ يخطب‌، فقال‌ عثمان‌: إنّه‌ قد قدمتْ عليكم‌ دابّة‌ سوء! فكلّم‌ ابن‌ مسعود ] عثمان‌ [ بكلام‌ غليظ‌، فأمر به‌ عثمان‌ فجُرّ برجله‌ حتّي‌ كُسر له‌ ضلعان‌، فتكلّمت‌ عائشة‌ وقالت‌ قولاً كثيراً».

[27] ـ أورد ابن‌ كثير الدمشقيّ في‌ «البداية‌ والنهاية‌» ج‌ 7، ص‌ 163، في‌ ترجمة‌ ابن‌ مسعود: فجاءه‌ عثمان‌ بن‌ عفّان‌ عائداً، فيُري‌ أ نّه‌ قال‌ له‌: ما تشتكي‌؟ قال‌: ذنوبي‌، قال‌: فما تشـتهي‌؟ قال‌: رحمة‌ ربّي‌. قال‌: ألا آمر لك‌ بطبيب‌؟ فقال‌: الطبيب‌ أمرضني‌. قال‌: ألا آمر لك‌ بعطائك‌؟ ـ وكان‌ قد تركه‌ سنتَين‌ فقال‌: لاحاجةَ لي‌ فيه‌. فقال‌: يكون‌ لبناتك‌ من‌ بعدك‌. فقال‌: أتخشي‌ علي‌ بناتي‌ الفقر؟ إنّي‌ أمرتُ بناتي‌ أن‌ يقرأن‌ كلّ ليلة‌ سورة‌ الواقعة‌، وإنّي‌ سمعتُ رسول‌ الله‌ صلّي‌ الله‌ عليه‌ وآله‌ وسلّم‌ يقول‌: «مَن‌ قرأ الواقعة‌ كلّ ليلة‌ لم‌ تصبه‌ فاقة‌ أبداً». وأوصـي‌ عبد الله‌ بن‌ مسـعود إلي‌ الزبير بن‌ العوّام‌، فيُقال‌ إنّه‌ هو الذي‌ صلّي‌ عليه‌ ليلاً. ثمّ عاتب‌ عثمانُ الزبير علي‌ ذلك‌». انتهي‌.

 أقول‌: يتّضح‌ من‌ هذه‌ الرواية‌ أنّ ابن‌ مسعود أوصي‌ أن‌ يُصلّي‌ علي‌ جنازته‌ ليلاً، وأن‌ لا يُعلم‌ عثمان‌ بذلك‌ بسبب‌ ما أصابه‌ من‌ الضرب‌ علي‌ يد عثمان‌.

[28] ـ يقول‌ ابن‌ أبي‌ الحديد في‌ «شرح‌ نهج‌ البلاغة‌» ج‌ 3، ص‌ 255، طبعة‌ الاُوفسيت‌ البيروتيّة‌ ذات‌ الاربعة‌ مجلّدات‌، و: ج‌ 13، ص‌ 233، طبعة‌ دار إحياء الكتب‌ العربيّة‌، مصر، ذات‌ العشرين‌ جزءاً، بعد نقله‌ كلام‌ أبي‌ جعفر الاءسكافيّ: «... كنحو ما أخذ الناس‌ الحَجّاج‌ بن‌ يوسف‌ بقراءة‌ عثمان‌ وترك‌ قراءة‌ ابن‌ مسعود وأُبيّ بن‌ كعب‌، وتوعّد علي‌ ذلك‌... فما مات‌ الحَجّاج‌ حتّي‌ اجتمع‌ أهل‌ العراق‌ علي‌ قراءة‌ عثمان‌، ونشأ أبناؤهم‌ ولا يعرفون‌ غيرها لاءمساك‌ الآباء عنها وكفّ المعلّمين‌ عن‌ تعليمها، حتّي‌ لو قرأتَ عليهم‌ قراءة‌ عبد الله‌ وأُبيّ ما عرفوها ولظنّوا بتأليفها الاستكراه‌ والاستهجان‌».

[29] ـ يقول‌ السيوطيّ في‌ «الاءتقان‌» ج‌ 1، ص‌ 90، الطبعة‌ الاُولي‌: «قال‌ ابن‌ حجر: وقد ورد عن‌ علي‌ّ، أ نّه‌ جمع‌ القرآن‌ علي‌ ترتيب‌ النزول‌ عقب‌ موت‌ النبي‌ّ صلّي‌ الله‌ عليه‌ ] وآله‌ [ وسلّم‌. أخرجه‌ ابن‌ داود».

[30] ـ يقول‌ المستشار عبد الحليم‌ الجنديّ في‌ كتاب‌ «الاءمام‌ جعفر الصادق‌» ص‌ 199:«آلي‌ أمير المؤمنين‌ علي‌ نفسه‌ بعد الفراغ‌ من‌ تجهيز الرسول‌ صلّي‌ الله‌ عليه‌ وآله‌، ألاّ يرتدي‌ إلاّ للصلاة‌ أو يجمع‌ القرآن‌. فجمعه‌ مرتّباً علي‌ حسب‌ النزول‌. وأشار إلي‌ عامّه‌ وخاصّه‌. ومطلقه‌ ومقيّده‌. ومحكمه‌ ومتشابهه‌. وناسخه‌ ومنسوخه‌، وعزائمه‌ ورخصه‌. وسننه‌ وآدابه‌. ونبّه‌ علي‌ أسباب‌ النزول‌ فيه‌.

 ومن‌ جلال‌ شأن‌ هذا الكتاب‌، قال‌ فيه‌ محمّد بن‌ سيرين‌: لَوْ أَصَبْتَ هَذَا الكِتَابَ كَانَ فِيهِ العِلْمُ ». فهو كما يظهر من‌ محتوياته‌ مصحف‌ خاصّ وكتاب‌ أُصول‌ من‌ صنع‌ علي‌ّ».

[31] ـ أورد السيّد البحرانيّ في‌ كتابه‌ «غاية‌ المرام‌» القسم‌ الاوّل‌، ص‌ 225 و 226، الحديث‌ 28، الطبعة‌ الحجريّة‌، عن‌ الخاصّة‌، عن‌ سُليم‌ بن‌ قيسم‌ الهلاليّ في‌ كتابه‌، أ نّه‌ روي‌ عن‌ أمير المؤمنين‌ عليه‌ السلام‌ أ نّه‌ قال‌: «... وكنتُ أدخل‌ علي‌ رسول‌ الله‌ صلّي‌ الله‌ عليه‌ وآله‌ وسلّم‌ كلّ يوم‌ دخلةً، وكلّ ليلة‌ دخلة‌، فيخليني‌ فيها أدور معه‌ حيث‌ دار، وقد علم‌ أصحاب‌ رسول‌ الله‌ صلّي‌ الله‌ عليه‌ وآله‌ وسلّم‌ أ نّه‌ لم‌ يكن‌ يصنع‌ ذلك‌ بأحد غيري‌، وربّما كان‌ ذلك‌ في‌ منزلي‌؛ فإذا دخلتُ عليه‌ في‌ بعض‌ منازله‌ خلا بي‌ وأقام‌ نساءه‌ فلم‌ يبقَ غيري‌ وغيره‌، وإذا أتاني‌ للخلوة‌ في‌ بيتي‌ لم‌ تقم‌ من‌ عندنا فاطمة‌ ولاأحد من‌ ابنَيَّ، إذا أسأله‌ أجابني‌، وإذا سكتُّ أو نفدت‌ مسـائلي‌ ابتدأني‌؛ فما نزلـت‌ عليه‌ آية‌ مـن‌ القرآن‌ إلاّ أقرأنيها وأملاها عَلَي‌َّ فكتبتها بخطّي‌ ودعا الله‌ أن‌ يفهمني‌ إيّاها ويحفظني‌، فما نسيتُ آية‌ من‌ كتاب‌ الله‌ منذ حفظتُها وعلّمني‌ تأويلها فحفظته‌ وأملاه‌ عَلَيَّ فكتبتُه‌، وما ترك‌ شيئاً علّمه‌ الله‌ من‌ حلال‌ وحرام‌، أو أمر ونهي‌، أو طاعة‌ ومعصية‌ كان‌ أو يكون‌ إلي‌ يوم‌ القيامة‌ إلاّ وقد علّمنيه‌ وحفظتُه‌ ولم‌ أنسَ منه‌ حرفاً واحداً، ثمّ وضع‌ يده‌ علي‌ صدري‌ ودعا الله‌ أن‌ يملا قلبي‌ علماً وفهماً وفقهاً وحكماً ونوراً، وأن‌ يعلّمني‌ فلا أجهل‌، وأن‌ يحفظني‌ فلا أنسي‌. فقلتُ له‌ ذات‌ يوم‌: يَا نَبِي‌َّ اللَهِ! إنّك‌ منذ يوم‌ دعوتَ الله‌ لي‌ بما دعوت‌ لم‌ أنسَ شيئاً ممّا علّمتني‌، فلِمَ تُمليه‌ عَلَي‌َّ وتأمرني‌ بكتابته‌؟ أتتخوّف‌ عَلَيَّ النسيان‌؟

 فقال‌: يا أخي‌ لستُ أتخوّف‌ عليك‌ النسيان‌ ولا الجهل‌، وقد أخبرني‌ الله‌ أ نّه‌ قد استجاب‌ لي‌ فيك‌ وفي‌ شركائك‌ الذين‌ يكونون‌ من‌ بعدك‌. قلتُ: يا نبي‌ّ الله‌، ومَن‌ شركائي‌؟

 قال‌: الذين‌ قرنهم‌ الله‌ بنفسه‌ وبي‌ معه‌، الذين‌ قال‌ في‌ حقّهم‌: يَـ'´أَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُوا أَطِيعُوا اللَهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي‌ الاْمْرِ مِنكُمْ.

 قلتُ: يا نبي‌ّ الله‌! ومن‌ هم‌؟ قال‌: الاوصياء إلي‌ أن‌ يردوا عَلَيّ حوضي‌، كلّهم‌ هادٍ مهتدٍ، لا يضرّهم‌ كيد من‌ كادهم‌، ولا خذلان‌ من‌ خذلهم‌، هُمْ مَعَ الْقُرْآنِ وَالقُرْآنُ مَعَهُمْ لا يفارقونه‌ ولا يفارقهم‌، بهم‌ ينصر الله‌ أمّتي‌، وبهم‌ يمطرون‌، ويدفع‌ عنهم‌ بمستجاب‌ دعوتهم‌، فقلتُ: يا رسول‌ الله‌ سمّهم‌ لي‌.

 فَقَالَ: ابْنِي‌ هَذَا ـ ووضع‌ يده‌ علي‌ رأس‌ الحسن‌ ثمّ ابني‌ هذا ـ ووضع‌ يده‌ علي‌ رأس‌ الحسين‌ ».

 ثمّ يذكر سُليم‌ الائمّة‌ إلي‌ الحجّة‌ عليهم‌ السلام‌، ويقول‌:

 ثمّ لقيتُ الحسن‌ والحسين‌ صلوات‌ الله‌ عليهما بالمدينة‌ بعد ما قُتل‌ أمير المؤمنين‌ صلوات‌ الله‌ عليه‌، فحدّثتهما بهذا الحديث‌ عن‌ أبيهما فقالا: صدقتَ... ثمّ لقيتُ علي‌ّ بن‌ الحسين‌ عليه‌ السلام‌... فقال‌: قد أقرأني‌ أمير المؤمنين‌ عليه‌ السلام‌ عن‌ رسول‌ الله‌ صلّي‌ الله‌ عليه‌ وآله‌ وسلّم‌....

[32] ـ «الشمس‌ الساطعة‌، رسالة‌ في‌ ذكر العلاّمة‌، ومحاورات‌ التلميذ والعلاّمة‌» القسم‌ الثاني‌، ضمن‌ الابحاث‌ التأريخيّة‌.

[33] ـ إنّ الاخبار الواردة‌ في‌ تحريف‌ الكتاب‌، التي‌ تمسّك‌ بها الشيخ‌ النوريّ في‌ «فصل‌ الخطاب‌» ساقطة‌ بأجمعها من‌ الاعتبار، وكلّما ازدادت‌ كثرةً وصحّةً ازدادت‌ وهناً، طبقاً للقاعدة‌ العقليّة‌: ما يلزمُ من‌ وجوده‌ عدمُه‌. ولبيان‌ هذا المطلب‌ نقول‌: إنّ حجّيّة‌ تلك‌ الاخبار تتوقّف‌ علي‌ حجّيّة‌ قول‌ الاءمام‌ الذي‌ نقل‌ تلك‌ الاخبار. وحجّيّة‌ قول‌ الاءمام‌ متوقّفة‌ علي‌ حجّيّة‌ قول‌ رسول‌ الله‌ الذي‌ عيّن‌ الاءمام‌ وصيّاً وخليفة‌ ومعصوماً. وحجّيّة‌ قول‌ رسول‌ الله‌ متوقّفة‌ علي‌ حجّيّة‌ القرآن‌ الذي‌ وصف‌ النبي‌ّ بأ نّه‌ نبي‌ّ ووليّ ومعصوم‌. ولو قلنا بزيادة‌ أو نقص‌ حرف‌ واحد في‌ القرآن‌ الكريم‌، لسقط‌ جميع‌ القرآن‌ عن‌ حجّيّته‌، وسقوط‌ هذه‌ الحجّيّة‌ تستلزم‌ سقوط‌ جميع‌ الاخبار، ومنها الاخبار الواردة‌ في‌ أمر التحريف‌. والقرآن‌ الكريم‌ حجّة‌ بالاءجماع‌، وحجّيّته‌ تستتبع‌ حجّيّة‌ قول‌ رسول‌ الله‌ وقول‌ الاءمام‌ تبعاً لذلك‌، وهذه‌ الحجّيّة‌ تستلزم‌ سقوط‌ الاخبار الواردة‌ في‌ التحريف‌ أيـّاً كانت‌ وحيثما بلغت‌، لانّ ثبوت‌ هذه‌ الاخبار يستلزم‌ عدمها، وكلّ ما استلزم‌ ثبوتُه‌ عدمه‌ كان‌ مستحيلاً، ولذلك‌ فإنّ نفس‌ هذه‌ الاخبار ومفادها مستحيل‌ بالمرّة‌.

 وقد قال‌ أكثر علماء الاُصول‌: إنّ القرآن‌ هو المصحف‌ الذي‌ في‌ أيدينا، فمن‌ قرأه‌ خَتَمَ القرآن‌. وقالت‌ طائفة‌ من‌ الاءخباريّين‌: إنّ القرآن‌ قد أُنقِص‌ منه‌. وكلام‌ هؤلاء باطل‌، وقد أبطله‌ العلماء، وخاصّة‌ الطبرسيّ صاحب‌ «مجمع‌ البيان‌» والسيّد المرتضي‌. ويقول‌ العلاّمة‌ الحلّيّ في‌ «التذكرة‌»: إنّ القرآن‌ يجب‌ أن‌ يقرأ علي‌ مصحف‌ عليّ عليه‌ السلام‌ وليس‌ علي‌ سائر المصاحف‌. وذلك‌ هو هذا القرآن‌ الذي‌ في‌ أيدينا حاليّاً، والذي‌ يُجمع‌ عليه‌ الصحابة‌.

[34] ـ حيث‌ إنّ قيد الزمان‌ المعيّن‌ هنا هو نصّ في‌ المتعة‌ والزواج‌ المؤقّت‌.

[35] ـ عدّ آية‌ الله‌ السيّد حسن‌ الصدر في‌ كتابه‌ «تأسيس‌ الشيعة‌ لعلوم‌ الاءسلام‌» ص‌ 346 و 347 عاصم‌ الكوفيّ من‌ الشيعة‌، وذلك‌ ضمن‌ عدّة‌ أئمّة‌ قراءة‌ القرآن‌، فقال‌ «ومنهم‌ (أي‌ من‌ القرّاء الشيعة‌) عاصم‌ الكوفيّ ابن‌ أبي‌ النجود بَهْدَلة‌ أحد الشيعة‌ من‌ (القرّاء) السبعة‌، قرأ علي‌ أبي‌ عبد الرحمن‌ السلميّ صاحب‌ أمير المؤمنين‌ المتقدّم‌ ذكره‌ وتشيّعه‌ آنفاً، وهو قرأ علي‌ أمير المؤمنين‌ عليّ بن‌ أبي‌ طالب‌. وقد نصّ الشيخ‌ الجليل‌ عبد الجليل‌ الرازيّ المتوفّي‌ بعد سنة‌ 556، وكان‌ الشيخ‌ ابن‌ شهر آشوب‌ والشيخ‌ أبي‌ الفتوح‌ الرازيّ المفسّر في‌ كتابه‌ «نقض‌ الفضائح‌» علي‌ تشيّع‌ عاصم‌ وأ نّه‌ كان‌ مُقتدي‌ الشيعة‌ فقال‌ ما معناه‌ باللسان‌ العربيّ إنّ التشيّع‌ كان‌ مذهباً لاكثر أئمّة‌ القراءة‌، كالمكّيّ والمدنيّ والكوفيّ والبصريّ وغيرهم‌ كانوا عدليّة‌ لا مشبِّهة‌ ولا خوارج‌ ولا جبريّة‌. رووا عن‌ عليّ أمير المؤمنين‌ عليه‌ السلام‌. ومثل‌ عاصم‌ وأمثاله‌ كانوا مقتدي‌ الشيعة‌ والباقين‌ عدليّة‌ غير أشعريّة‌ انتهي‌.

 وقال‌ السيّد في‌ «الروضات‌» عند ترجمته‌: «وكان‌ أتقي‌ أهل‌ هذه‌ الصناعة‌ علي‌ كون‌ هذا الرجل‌ أصوب‌ كلّ أُولئك‌ المذكورين‌ رأياً وأجملهم‌ سعياً ورعياً» إلي‌ أن‌ قال‌: «وقال‌ إمامنا العلاّمة‌ أعلي‌ الله‌ مقامه‌ فيما نقل‌ عن‌ كتابه‌ «المنتهي‌»: وأحَبُّ القراءات‌ إلَيَّ قراءة‌ عاصم‌، المذكور من‌ طريق‌ أبي‌ بكر بن‌ عيّاش‌» انتهي‌.

 قرأ أبان‌ بن‌ تغلب‌ شيخ‌ الشيعة‌ علي‌ عاصم‌، كما قرأ هو علي‌ أبي‌ عبد الرحمن‌ السلمي‌ّ. ولعاصم‌ روايتان‌: رواية‌ حفص‌ بن‌ سليمان‌ البزّاز، كان‌ ربيبه‌ وابن‌ زوجته‌، ورواية‌ أبي‌ بكر بن‌ عيّاش‌. وذكره‌ القاضي‌ نور الله‌ المرعشيّ في‌ «مجالس‌ المؤمنين‌» ونصّ أيضاً علي‌ تشيّعه‌.

[36] ـ مقطع‌ من‌ الآية‌ 23، من‌ السورة‌ 2: البقرة‌.

[37] ـ مقطع‌ من‌ الآية‌ 13، من‌ السورة‌ 11: هود.

[38] ـ صدر الآية‌ 1، من‌ السورة‌ 24: النور.

[39] ـ تفسير «منهج‌ الصادقين‌» ج‌ 1، المقدّمة‌، ص‌ 14 و 15، الطبعة‌ الثانية‌.

[40] ـ حمزة‌ بن‌ حبيب‌، من‌ شيعة‌ الاءمام‌ الصادق‌ عليه‌ السلام‌ ومن‌ أوّل‌ من‌ صنّف‌ في‌ علم‌ القراءات‌. يقول‌ آية‌ الله‌ المحقّق‌ السيّد حسن‌ الصدر في‌ كتاب‌ «الشيعة‌ وفنون‌ الاءسلام‌» ص‌ 51 إلي‌ 53.

 «وأوّل‌ من‌ صنّف‌ في‌ القراءة‌ ودوّن‌ علمها هو أبان‌ بن‌ تغلب‌ (الكوفيّ)... وقد ذكر تصنيفه‌ في‌ القراءة‌ ابنُ النديم‌ في‌ «الفهرست‌» قال‌: أبان‌ بن‌ تغلب‌، وله‌ من‌ الكتب‌ كتاب‌ «معاني‌ القرآن‌» لطيف‌، كتاب‌ «القراءات‌»، كتاب‌ من‌ الاُصول‌ في‌ الرواية‌ علي‌ مذهب‌ الشيعة‌، وذكر النجاشيّ كتاب‌ القراءة‌ لابان‌ في‌ ترجمته‌ وأوصل‌ إسناده‌ إليه‌ في‌ روايته‌ انتهي‌.

 ثمّ بعده‌ حمزة‌ بن‌ حبيب‌ أحد (القرّاء) السبعة‌؛ قال‌ ابن‌ النديم‌ في‌ «الفهرست‌»: كتاب‌ القراءة‌ لحمزة‌ بن‌ حبيب‌ وهو أحد السبعة‌، من‌ أصحاب‌ الصادق‌ ـ انتهي‌.

 وعدّه‌ الشيخ‌ أبوجعفر الطوسيّ في‌ كتاب‌ الرجال‌ من‌ أصحاب‌ الصادق‌، وجاء بخطّ الشيخ‌ الشهيد محمّد بن‌ مكّيّ عن‌ الشيخ‌ جمال‌ الدين‌ أحمد بن‌ محمّد بن‌ الحدّاد الحلّي‌ّ: قرأ الكسائيّ القرآن‌ علي‌ حمزة‌، وقرأ حمزة‌ علي‌ أبي‌ عبد الله‌ (الصادق‌)، وقرأ (الصادق‌) علي‌ أبيه‌، وقرأ (أبوه‌) علي‌ أبيه‌، وقرأ (أبوه‌) علي‌ أبيه‌، وقرأ (أبوه‌) علي‌ أمير المؤمنين‌.

 ثمّ يقول‌ المرحوم‌ الصدر هنا: أقول‌: قرأ (حمزة‌) علي‌ مولانا الصادق‌، وعلي‌ الاعمش‌، وعلي‌ حمران‌ بن‌ أعين‌ أخو زرارة‌، والكلّ من‌ مشايخ‌ الشيعة‌. ولم‌ يُسمع‌ في‌ المسلمين‌ أنّ أحداً دوّن‌ كتاباً في‌ القراءة‌ قبل‌ أبان‌ وحمزة‌....

 ومنهم‌ أبو جعفر محمّد بن‌ الحسن‌ بن‌ أبي‌ سارة‌ الرواسيّ، وهو أُستاذ الكسائي‌ّ والقرّاء، ومن‌ خواصّ الاءمام‌ محمّد الباقر عليه‌ السلام‌. وذكره‌ أبو عمرو الدانيّ في‌ «طبقات‌ القرّاء» وقال‌:... وهو من‌ جملة‌ الكوفيّين‌، وله‌ اختيار في‌ القراءة‌ تروي‌ عنه‌. روي‌ الحروف‌ عن‌ أبي‌ عمرو... سمع‌ الاعمش‌....

 ومنهم‌ زيد الشهيد... له‌ قراءة‌ جدّه‌ أمير المؤمنين‌، رواها عنه‌ عمر بن‌ موسي‌ الرجهي‌ّ. قال‌ في‌ أوّل‌ كتاب‌ قراءة‌ زيد: هذه‌ القراءة‌ سـمعتُها من‌ زيد بن‌ علي‌ّ بن‌ الحسـين‌ بن‌ علي‌ّ بن‌ أبي‌ طالب‌، وما رأيتُ أعلم‌ بكتاب‌ الله‌ وناسخه‌ ومنسوخه‌ ومشكله‌ وإعرابه‌ منه‌... وكانت‌ شهادة‌ زيد بالكوفة‌، أيّام‌ هشام‌ بن‌ عبد الملك‌ الاموي‌ سنة‌ اثنتين‌ وعشرين‌ ومائة‌، وكان‌ عمره‌ يوم‌ قُتل‌ اثنتين‌ وأربعين‌ سنة‌، لا نّه‌ كان‌ تولّد سنة‌ ثمانين‌.

 فيكون‌ جميع‌ هؤلاء الذين‌ صنّفوا في‌ القراءة‌ مقدّمين‌ علي‌ أبي‌ عبيدة‌ القاسم‌ بن‌ سلاّم‌ الذي‌ عدّه‌ السيوطيّ والذهبيّ مقدّماً في‌ التصنيف‌».

[41] ـ قال‌ آية‌ الله‌ السيّد حسن‌ الصدر في‌ كتاب‌ «تأسيس‌ الشيعة‌» ص‌ 347: «ومنهم‌ (أي‌ من‌ قرّاء الشيعة‌): حمزة‌ الكوفيّ بن‌ حبيب‌ الزيّات‌ أحد الشيعة‌ من‌ (القرّاء) السبعة‌، قرأ علي‌ مولانا الصادق‌ عليه‌ السلام‌، وعلي‌ الاعمش‌، وعلي‌ حمران‌ بن‌ أعين‌ أخو زرارة‌، والكلّ من‌ شيوخ‌ الشيعة‌. وعدّهُ الشيخ‌ أبو جعفر الطوسيّ في‌ كتاب‌ الرجال‌ من‌ أصحاب‌ الصادق‌ عليه‌ السلام‌، وكذلك‌ ابن‌ النديم‌ في‌ «الفهرست‌». قال‌: وكتاب‌ القراءة‌ لحمزة‌ بن‌ حبيب‌، وهو أحد السبعة‌ من‌ أصحاب‌ الصادق‌ عليه‌ السلام‌ ـ انتهي‌ بحروفه‌.

 مات‌ حمزة‌ سنة‌ ستّ أو ثمان‌ وخمسين‌ بعد المائة‌ بحلوان‌، وكان‌ مولده‌ سنة‌ ثمانين‌، وله‌ سبع‌ روايات‌، وصنّف‌ كتاب‌ القراءة‌، وكتاب‌ في‌ «مقطوع‌ القرآن‌ وموصوله‌»، كتاب‌ «متشابه‌ القرآن‌»، كتاب‌ «أسباع‌ القرآن‌»، كتاب‌ «حدود آي‌ القرآن‌» ذكر هذه‌ الكتب‌ له‌ محمّد بن‌ إسحاق‌ النديم‌ في‌ «الفهرست‌» كلّ في‌ موضعه‌، وقد جمعتُها أنا في‌ ترجمته‌ رضي‌ الله‌ عنه‌ انتهي‌ كلام‌ آية‌ الله‌ الصدر رحمة‌ الله‌ عليه‌.

 يقول‌ المستشار عبد الحليم‌ الجنديّ، من‌ أركان‌ المجلس‌ الاعلي‌ للشؤون‌ الاءسلاميّة‌ في‌ مصر، في‌ كتاب‌ «الاءمام‌ جعفر الصادق‌» ص‌ 176: ومِن‌ علم‌ الاءمام‌ جعفر (الصادق‌) بالقرآن‌، أخذ القراءات‌ عليه‌ حمزة‌ بن‌ حبيب‌ التيميّ، وفيها مدّ وإطالة‌ وسكتٌ علي‌ الساكن‌ قبل‌ الهمز.

[42] ـ عدّ آية‌ الله‌ السيّد حسن‌ الصدر في‌ كتاب‌ «تأسيس‌ الشيعة‌» ص‌ 347 الكسائيّ من‌ الشيعة‌، حيث‌ يقول‌: «ومنهم‌: الكسائيّ أبوالحسن‌ عليّ بن‌ حمزة‌ بن‌ عبد الله‌ بن‌ بهمن‌ بن‌ فزار الاسديّ بالولاء، الكوفيّ المكنّي‌ أبا عبد الله‌، وهو من‌ القرّاء السبعة‌ المشهورة‌. وكان‌ يذكر أ نّه‌ ربيب‌ المفضّل‌ الضبّي‌، وكانت‌ أُمّه‌ تحته‌. نصّ علي‌ تشيّعه‌ في‌ «رياض‌ العلماء» في‌ الالقاب‌. قرأ علي‌ شيوخ‌ الشيعة‌ كحمزة‌ وأبان‌ بن‌ تغلب‌؛ وأخذ النحو عن‌ أبي‌ جعفر الرواسيّ ومُعاذ الهرّاء، والكلّ من‌ أئمّة‌ علماء الشيعة‌ كما عرفتَ. قرأ الكسائيّ القرآن‌ علي‌ حمزة‌، وقرأ حمزة‌ علي‌ أبي‌ عبد الله‌ (الصادق‌) عليه‌ السلام‌، وقرأ علي‌ أبيه‌، وقرأ علي‌ أبيه‌، وقرأ علي‌ أبيه‌، وقرأ علي‌ أمير المؤمنين‌ عليه‌ السلام‌، كذا وجد بخطّ شيخنا الشهيد ابن‌ مكّيّ نقلاً عن‌ الشيخ‌ جمال‌ الدين‌ أحمد بن‌ محمّد بن‌ الحدّاد الحلّيّ. ونصّ علي‌ تشيّع‌ الكسائيّ جماعة‌، وهو مذهب‌ أكثر أهل‌ الكوفة‌ في‌ ذلك‌ العصر. وقد أكثر الشيخ‌ حسن‌ بن‌ عليّ الطَّبْرِسيّ في‌ كتاب‌ «أسرار الاءمامة‌» من‌ النقل‌ عن‌ كتاب‌ «قصص‌ الانبياء» للكسائيّ. توفّي‌ سنة‌ تسع‌ وثمانين‌ ومائة‌ بالري‌. وقيل‌ مات‌ بطوس‌.

[43] ـ «الاءتقان‌ في‌ علوم‌ القرآن‌» ج‌ 1، ص‌ 91 و 92، الطبعة‌ الاولي‌، المطبعة‌ الموسويّة‌ بالديار المصريّة‌، سنة‌ 1278 ه. ق‌؛ و: ج‌ 1، ص‌ 72 و 73، الطبعة‌ الثالثة‌، مصطفي‌ الحلبيّ بمصر، سنة‌ 1370 ه. ق‌.

 الرجوع الي الفهرس

 

.

معرفي و راهنما

كليه حقوق، محفوظ و متعلق به موسسه ترجمه و نشر دوره علوم و معارف اسلام است.
info@maarefislam.com